إعلان

لا تنازل عن بدائل السلاح النووي... رؤية إيران نحو المفاوضات النووية

المصدر: النهار العربي
يوسف بدر
يوسف بدر
تجربة صاروخية إيرانية
تجربة صاروخية إيرانية
A+ A-
وسط أجواء من الحرب الكلامية والتهديدات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، تستأنف مجموعة (4+1) مفاوضتها النووية مع إيران اليوم، في العاصمة النمسوية فيينا. وبذلك تكون المفاوضات وصلت إلى جولتها الثامنة لإحياء الاتفاق النووي.

تأتي هذه الجولة على مستوى مساعدي وزراء الخارجية، ما يعني أنها لن تكون الأخيرة، ولن يتم التوصل فيها إلى اتفاق نهائي، وأن إيران ما زالت تنتظر التنازلات من الجانب الغربي، وعلى رأسها الإلغاء الكامل للحظر المتعلق بالاتفاق النووي، بما يساعدها على تقبل إيقاف سياسة خفض الالتزام النووي التي اتبعتها بعد خروج الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي عام 2018. 

جدية التهديد
منذ إنتهاء الجولة السابعة، الجمعة 17 كانون الأول (ديسمبر)، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى حلفائها الأوروبيين وإسرائيل، تركز على إظهار جدية تهديداتها نحو إيران، وأن طهران لم تعد تمتلك إلا الفرصة الأخيرة. ولذلك تخطط واشنطن لإجراء مناورات مشتركة مع تل أبيب في الربيع المقبل. كما سافر مستشار الأمن القومي جيك سوليفان إلى إسرائيل، الثلثاء 21 الجاري لصوغ استراتيجية مشتركة للتعامل مع إيران، بخاصة أن تل أبيب لطالما تكرر التهديد بالخيار العسكري في التعامل مع النووي الإيراني.

وترى إسرائيل أنه يجب الاستفادة من "الهجمات الوقائية" قبل أن تكون القدرات النووية لإيران قد وصلت إلى مرحلة يصعب التعامل معها. 

على محمل الجد
كانت المناورات البرية والبحرية التي اختتمتها إيران، الجمعة 24 كانون الأول (ديسمبر) الجاري، تعبيراً عن أن طهران على المستوى العسكري تأخذ التهديدات الإسرائيلية على محمل الجد، وأنها بمثابة رسالة تهديد واضحة من جانب طهران؛ حتى أن القادة العسكريين في إيران، أعلنوا صراحة أن تلك المناورات هي تجربة عملية للرد على التهديدات الإسرائيلية، بخاصة أنها اشتملت على إطلاق صواريخ باليستية وصواريخ كروز بمدى يصل إلى 2000 كلم. وركز التلفزيون الإيراني على إظهار 16 صاروخاً وهي تستهدف الهدف ذاته بدقة. أي أن الرد الإيراني سيطاول قلب إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة. ما يثير الفزع أيضاً لدى دول جوار إيران المستضيفة لهذه القواعد.

كذلك، تريد طهران أن تقول من هذه المناورات الصاروخية للجانب الأوروبي الذي رفضها، إنها لن تقبل بخفض ترسانتها الصاروخية أو التفاوض عليها. وهذا الأمر يضع القوى الغربية في حرج أمام إسرائيل، بخاصة أنها تسعى الى إظهار حالة من التهديد الجاد بما يطمئن تل أبيب.

نظرة إيران
على المستوى السياسي، تدرك طهران أن واشنطن ما زالت تراهن على الخيار الدبلوماسي، لأنه السبيل الآمن والأفضل للوصول إلى مرحلة "ماذا بعد الإتفاق النووي مع إيران"، وأن سوليفان ذهب إلى تل أبيب لطمأنة إسرائيل ولكبح سلوكها تجاه طهران.

وبالنسبة الى إسرائيل، فهي ما زالت تبحث عن غطاء دولي إذا أقدمت على خطوتها العسكرية تجاه إيران؛ ولن يمنحها أحدٌ في المنطقة أو في أوروبا ذلك من دون موافقة أميركا. وأن تاريخ الهجمات الإسرائيلية لم يثبت أنها قامت بالتهديد ثم نفذت؛ بل تقوم بالهجوم في صمت، مثلما فعلت عند الهجوم على المنشآت النووية في سوريا والعراق.

أيضاً، تمنح القوى الصاروخية لدى إيران، وما في يد ميليشياتها في المنطقة، بالإضافة إلى طبيعة منشآتها النووية الجبلية، شعوراً بصعوبة التنفيذ العملي للتهديدات الإسرائيلية؛ فالأمر أشبه بمغامرة قد تقضي على إسرائيل؛ إذا ما غامرت وحدها بتنفيذ هذا الهجوم.

ولذلك، تتعامل إيران مع التهديدات الإسرائيلية على أنها مجرد خدعة؛ الهدف منها هو الضغط على القوى الدولية لمنع إيران من إمتلاك السلاح النووي. وهذا هو الهدف الأهم بالنسبة الى إسرائيل؛ إذا لا ترى أن هناك قوة نووية في المنطقة سواها. فضلاً عن أن هذه التهديدات تدعم الموقف الأميركي في محادثات فيينا؛ بخاصة أن واشنطن تكرر عبارة "الفرصة الأخيرة"، ومثل هذه الأجواء من جانب إسرائيل تظهر حالة من الجدية في التعامل مع إيران.

نقطة أخرى، وهي أن إيران تستثمر في التحولات الإقليمية التي بدأت بخروج القوات الأميركية من أفغانستان، وفي المرحلة القادمة من العراق. 
ولذلك عبرت زيارة وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين طهران يوم الجمعة الماضي عن ربط الكثير من الملفات الإقليمية بالعلاقة بين طهران وواشنطن؛ فقد طالب حسين بعقد محادثات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة. وإن كان هذا المطلب قد يكون رسالة نقلها حسين من واشنطن إلى طهران. لكنه مطلب يؤكد ضرورة توصل البيت الأبيض الى اتفاق مع إيران؛ لارتباط ذلك بالكثير من القضايا الإقليمية.

بديل النووي
لا يمكن استبعاد فكرة أن إيران لا تسعى وراء السلاح النووي من باب فكرة الردع تجاه إسرائيل، مثلما هو نموذج الهند وباكستان. لكن في الوقت الراهن تكتفي طهران بتفوق "معادلتها الصاروخية". فهي لا تعترف بقرار مجلس الأمن الرقم 2231، الذي يحظر عليها أي أنشطة متعلقة بتطوير صواريخ باليستية قادرة على حمل الرؤوس النووية.

وتعتبر طهران أن برنامجها الصاروخي لا يتعلق بهذا القرار، لأنها لا تقوم بأي تجارب نووية على صواريخها الباليستية.

وهذا يفسر، لماذا ترفض طهران مناقشة مسألة برنامجها للصواريخ الباليستية ضمن عملية التفاوض النووي. فضلاً عن رفضها مناقشة التهديدات الإقليمية ودعمها العسكري واللوجستي لميليشياتها في المنطقة. إذا تعتبر أن هذه القوة هي البديل لقوة الردع النووي في المرحلة الآنية. 

ولذلك هي ترفض أيضاً أي اتفاق جديد يتجاوز حدود الاتفاق النووي عام 2015. لأنها ترفض أي إتفاق طويل الأمد يحرمها من خيارات "ما بعد إنتهاء الاتفاق النووي". وهذه النقطة كانت دافعاً رئيسياً لخروج الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب من الاتفاق.

نزع الفتيل
هناك شعور عام داخل إيران، بأن الصين وروسيا تستخدمان الورقة الإيرانية كإحدى أدوات الضغط لديهما على الجانب الغربي. ولكن جانب المحافظين الذي يسيطر على السلطة اليوم في إيران، لا يستطيع الفكاك من المحور الشرقي الذي يشاركه خططه الاقتصادية في شراكات اقتصادية كبرى مثل منظمات "شنغهاي" و"ايكو" و"الاتحاد الأوراسي". 

ولهذا، ما زالت طهران تتبع سياسة "الصبر الإستراتيجي" في سلوكها خلال المفاوضات النووية مع الغرب؛ فلا هي تبحث عن قطيعة لمصالحها مع الغرب، ولا هي تتعجل في التوصل إلى اتفاق معه. 

ومع ذلك، نجد إيران أيضاً تحافظ على قواعد اللعبة في التفاوض مع الجانب الغربي، فوسط كل هذه التهديدات من جانب الغرب بخطورة إمتلاك إيران للسلاح النووي؛ نجد تصريحاً من رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، محمد إسلامي، الهدف منه هو نزع فتيل الأزمة وإفشال الضغوط الأميركية بالتهديد الإسرائيلي، إذ قال إن "طهران لا تعتزم رفع مستوى تخصيب اليورانيوم عن مستوى 60 في المئة؛ حتى لو فشلت المحادثات النووية ولم ترفع واشنطن العقوبات عن طهران". ومثل هذا التصريح، يعلن عن سقف لسياسة خفض الالتزام النووي التي تتبعها طهران للرد على العقوبات، وأنها لن تتجه إلى نسبة أعلى من التخصيب بما يضع إيران في خانة الاتهام بالسعي نحو السلاح النووي.
 
المحصلة

إن طهران ما زالت تراهن على سياسة الصبر في محادثاتها النووية؛ وهو ما لا يدفع للتفاؤل بإمكان التوصل إلى اتفاق وشيك.

إن إيران من الصعب أن تتنازل عن برنامجها الصاروخي وميليشياتها الإقليمية إذا لم تحصل على سلاح ردع مثل السلاح النووي.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم