إعلان

قوى الإسلام السياسي في البرلمان العراقي... سيرة التراجع

المصدر: النهار العربي
رستم محمود
البرلمان العراقي. (أرشيفية)
البرلمان العراقي. (أرشيفية)
A+ A-
عشية المصادقة الرسمية على النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية العراقية، وبانتظار انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان الجديد، فإن أكثر ما يثير مُلاحظة المراقبين السياسيين، هو جملة من التغيرات التي طرأت على التشكيلة البرلمانية، تحديداً لجهة تراجع أوزان تيارات الإسلام السياسي وحضورها، ومن جميع المناطق والحساسيات العراقية.
 
هذه القوى الإسلامية التي كانت تشكل ثلثي الكتلة البرلمانية خلال التشكيلتين الأولى والثانية للبرلمان (2005-2010)، تمثل راهناً أقل من ربع التشكيلة البرلمانية. 
 
بحسب هذه النتائج شبه المؤكدة، فإن خمس قوى عراقية ستكون حاضرة في التشكيلة البرلمانية الجديدة، هي التيار الصدري وقوى تحالف "امتداد"، الذي يمثل التيار المدني المعبر عن تطلعات شبان ثورة تشرين الأول (أكتوبر)، وسيكونان القوتين الأكثر عدداً في البرلمان العراقي، وإلى جانبهما سيكون للائحة "تقدم" التي يقودها رئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي حضور بارز، بـ37 مقعداً، فيما سيكون للحزب الديموقراطي الكردستاني عدد من المقاعد تجاوز كل التوقعات ووصل الى 35.
 
وحدها ستكون لائحة تحالف حزب "الدعوة" العراقي بقيادة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي مع الجهات الممثلة لفصائل الحشد الشعبي تعبيراً عن الإسلام السياسي العراقي، بما لا يتجاوز 48 مقعداً، من أصل 329.
 
تعتبر هذه النتائج تغيراً كبيراً في المشهد السياسي العراقي، لأنها تعني فعلياً تراجعاً هائلاً في عدد مقاعد أحزاب الإسلام السياسي العراقية التقليدية والمكرسة، مثل حزب "الدعوة" العراقي و"تيار الحكمة" (المنشق عن "المجلس الإسلامي الأعلى" عام 2017)، وحزب "الفضيلة"، إلى جانب الحزب الإسلامي العراقي "السني"، والحزبين الإسلاميين الكرديين الرئيسيين، "الاتحاد الإسلامي الكردستاني" و"الجماعة الإسلامية الكردستانية". 
 
كانت أول انتخابات تشريعية عراقية قد جرت في 15 كانون الأول (ديسمبر) من عام 2005، بعد إقرار الدستور العراقي الجديد بأشهر. وقتئذ دخلت أربع كتل برلمانية رئيسية البرلمان العراقي. "الائتلاف العراقي الموحد" حصل على قرابة نصف مقاعد البرلمان، 128 مقعداً من أصل 275، فيما نال "التحالف الكردستاني" المرتبة الثانية بـ53 مقعداً، وحصلت "جبهة التوافق العراقية" على 44 مقعداً، وتمكنت "القائمة العراقية الوطنية" من شغل 25 مقعداً. 
 
خلال تلك الانتخابات، تكتلت الأحزاب العراقية على أساس طائفي، لأنها كانت أول انتخابات تشريعية في العراق بعد سنوات طويلة من الشمولية، ولأن القانون الانتخابي كان يعتبر العراق دائرة انتخابية واحدة، وبنظام القائمة المغلقة، الأمر الذي كان يشجع على تكتل القوى السياسية في قوائم موحدة. وحدها "القائمة العراقية" كانت عابرة للطوائف والقوميات، وضمت طيفاً من المرشحين المنحدرين من مختلف الحساسيات والمناطق العراقية. أي أن حجم الإسلام السياسي كان يقارب ثلاثة أرباع مجموع المقاعد البرلمانية. 
 
 بعد قرابة خمس سنوات، جرت الانتخابات التشريعية العراقية للمرة الثانية في 7 آذار (مارس) من عام 2010، وقد أحدثت نتائجها أكبر مفاجأة وتحول سياسي في تاريخ العراق المعاصر. فعلى العكس من كل التوقعات، حصلت "القائمة العراقية" العابرة للطوائف برئاسة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي على المركز الأول، وحصدت 91 مقعداً من أصل 275، فيما تراجع "ائتلاف دولة القانون" برئاسة رئيس الوزراء وقتئذ نوري المالكي إلى المركز الثاني، وحصل "التحالف الكردستاني" على 43 مقعداً. 
 
"الكتلة الأكبر"
بسبب تدخل إيراني واضح وقتئذ، تم انتزاع الفوز البرلماني من "القائمة العراقية"، عبر استصدار قرار وتفسير من المحكمة الدستورية العراقية العليا، قال إن الكتلة الفائزة ليست الحاصلة على أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات، بل تلك التي تستطيع أن تشكل أكبر كتلة نيابية داخل قُبة البرلمان. الأمر الذي سمح للمالكي بتجديد رئاسته للحكومة. لكن ذلك لم يكن يعني أن الإسلام السياسي، بمختلف تشكيلاته وحساسيات، لم يكن "الكتلة الأكبر" ضمن التشكيلة البرلمانية الجديدة. 
 
يشرح الباحث العراقي شفان رسول في حديث مع "النهار العربي" تأثيرات الصراع الطائفي وقتئذ على الحياة العامة والمسار البرلماني في العراق، والذي كانت تستفيد منه قوى الإسلام السياسي. يقول: "تم تكريس الطائفية السياسية وتحديد أدوات المحاصصة بين الطوائف في البلاد، من خلال اتفاق غير معلن من قادة النخب التي قادت العملية السياسية العراقية بعد عام 2003. ساعد ذلك على صعود الإسلام السياسي بالنسبة الى جميع الجهات. من جهة أخرى، فإن تلك المحاصصة أسست لتحطيم القوة المدنية / الوطنية العابرة للطوائف، التي كانت تملك مشروعاً سياسياً مغايراً تماماً لما حدث في العراق في ما بعد، وأوصل الأمور إلى هذا الحد. فحوادث عام 2010 أثبتت أن العملية السياسية وديناميكيات عملها في العراق ليست مجرد نتائج انتخابية وكتلاً فائزة فحسب. فالتدخل الإيراني أثبت أنه لاعب فاعل ذو قدرة على تحوير كل شيء، وتالياً مدّ الإسلام السياسي بأدوات الحياة". 
 
قبيل زمن "داعش"
في ذروة احتجاجات المناطق الغربية والوسطى من العراق على الحكومة المركزية، ومع خروج العديد من المدن حينها عن السيطرة الفعلية للسلطات، جرت في 30 نيسان (أبريل) من عام 2014 الجولة الثالثة من الانتخابات البرلمانية العراقية، والتي دخلت بموجبها أكثر من خمس عشرة كتلة سياسية عراقية إلى قبة البرلمان، كانت جميعها ذات هويات وخلفيات طائفية وقومية ومناطقية، ولم يكن في البرلمان العراقي إلا ثلاثة أعضاء مدنيين فحسب. 
 
يشرح الباحث دريد ألماظي في حديث مع "النهار العربي" أسباب ذلك النكوص في الحياة البرلمانية العراقية، وقتئذ "كانت السياسات الحكومية في الدورة الثانية لرئاسة المالكي (2010-2014) تجاه إقليم كردستان اقتصادياً والمناطق السنية التي شهدت انتفاضة شعبية، تدفع الأمور نحو ذلك الشرخ الشاقولي المريع، والذي وصل الى ذروته أثناء معركة مواجهة تنظيم "داعش" خلال السنوات التالية. فالبرلمان صار مجرد منصة للمواجهة الطائفية، وغدت السلطة المباشرة لمكتب رئيس الوزراء بمثابة حاكم مطلق للعراق وقتئذ". 
 
...وما بعده
شهدت الانتخابات التالية التي جرت في 12 أيار (مايو) من عام 2018 أكبر محاسبة شعبية لحزب رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، حيث انخفضت كتلته البرلمانية من 92 مقعداً إلى 25 فحسب، فيما حافظت بقية الكتل الرئيسية على حصصها البرلمانية نسبياً، لكن المقلق كان بروز تيار سياسي ممثل لفصائل "الحشد الشعبي" الذي صعد على خلفية مواجهة "داعش" لكنّه استمرّ بعد إعلان تحرير الموصل، وهو أمر اعتبره مراقبون بمثابة تأكيد لسيطرة هذه الفصائل على الحياة العامة في البلاد، خصوصاً في العاصمة بغداد والمناطق التي تحررت من سيطرة تنظيم "داعش". 
 
بناءً على ذلك، دخل العراق أكبر أزمة سياسية، وشهد انتفاضة شعبية عارمة في العاصمة والمناطق الجنوبية من البلاد، إلى جانب أزمات اقتصادية وبيئية وسكانية خانقة. وكانت الانتخابات الأخيرة في 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2021 عقاباً واضحاً للقوى السياسية المتسببة بحدوث هذه الوقائع، المتمثلة بقوى الإسلام السياسي، الشيعية والسنية على حد سواء. وحيث لا يمكن حساب "التيار الصدري" عليها، لأنه بقي مصمماً على التمسك بشعارات ونزعات ذات هوية وطنية عراقية، ممزوجة بزعامة تقليدية لآل الصدر.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم