إعلان

الأفق ما بعد السّياسي في مواجهة اللّيبراليّة المتوحّشة

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
طيب تيزيني
طيب تيزيني
A+ A-
 في آخر حواراته الصحافية مع جريدة "الأخبار" اللبنانية، قال صاحب "بيان في النهضة والتنوير العربي" الراحل الطيب تيزيني عن الوضع في سوريا وما عرفته من انتفاضة جماهيرية وشعبية واسعة: "سارت التظاهرات سلمية، بدأ بعدها الصراع المسلح. ومؤسف أن يقال بعد ذلك، إن أولئك السوريين خرجوا مسلحين، وأنا شاهد. كانت تظاهرات تسعى إلى إعادة البناء من داخل البناء نفسه وعبر الجميع إن أمكن. كانوا قد مثلوا فكرة يسوعية هائلة (اغفر لعدوّك)، خرجوا باسم مشاريع طُرِحت سابقاً ولم يُستجب لها. أتت المفاجأة بظهور السلاح، وظلت سوريا تفترض منذ سبع سنوات أن السلاح يمكن أن يزول في لحظة ما ولم يزل، وظلت الاحتمالات موجودة بوجود من يحمل السلاح".


لا السلاح زال، ولا حاملوه اختفوا من الخريطة، ولا السوريون عادوا إلى بيوتهم وقد وضعوا الحجر الأساس لبلد ديموقراطي، ولا حكام دمشق استجابوا لمطالب الشعب السوري. يمكن قول الشيء نفسه عن كثير من الدول التي عاشت انتفاضات شعبية واسعة بشعارات حالمة سرعان ما تكسّرت على صخرة الواقع ولُعبة المحاور والأطراف الخارجيين والداخليين الذين حملوا شعارات الثورة وبناء أنظمة ديموقراطية بينما هم في الحقيقة يستبطنون نزعة شمولية لا تختلف في شيء عن الأنظمة التي يراد إسقاطها، وفي بعض الأحيان قد يكون الأمر أكثر سوءاً. لا يتعلق الأمر فقط بشمال أفريقيا والشرق الأوسط بالنظر الى تشابك المصالح في المنطقة، بل يسري الأمر نفسه على بلدان الثورات الملوّنة مثل أوكرانيا وجورجيا وقرغيزيستان، والتحوّلات الواعدة التي حملتها المؤتمرات الأفريقية للديموقراطية بداية التسعينات من القرن الماضي، من دون إغفال تجربة دول أميركا الجنوبية التي دأبت واشنطن على أن تتعامل معها كمجرد حديقة خلفية، تمردت لفترة ما بعد موجة اليسار لكنها عادت إلى موقعها الطبيعي ظلاً للولايات المتحدة الأميركية. وها نحن نتابع اليوم كيف يعود اليسار مجدداً في عدد من دولها.
 
 
الحصيلة من كل الانتكاسات التي عرفتها حركات التغيير، هي إما فشل العملية ككل وخروج الأنظمة التي يراد إسقاطها أكثر قوة، وإما نجاح محدود يسقط سريعاً في إطار نموذج الدولة الفاشلة بفعل القوى التي حازت السلطة أو بسبب الحصار الخارجي وقوة الطلب الاقتصادي والاجتماعي في الداخل، أو انهيار أمني واقتصادي واجتماعي كامل يُدخل البلاد في أتون حرب أهلية مدمّرة لا منتصر فيها.


آخر موجة لدينامية الشعوب هي تلك التي عبرت من طهران إلى سانتياغو مروراً ببيروت والخرطوم والجزائر في وقت متزامن، هذه الموجة أفرزت معركة نوعية ومختلفة، صحيح أنها تمت وفقاً للسياقات المحلية لكل بلد والشروط التي أنتجت واقعها السياسي والاجتماعي، لكنها توحّدت في جزء من مطالبها واتهاماتها، عندما انتقدت السياسات الاقتصادية والمالية الشديدة الصلة بالمؤسسات المالية الدولية، بخاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كأداتين أيديولوجيتين قبل أن تكونا أداتين ماليتين بيد الرأسمال العالمي المهيمن، كما أن تلك الحركة الجماهيرية ركزت بوضوح على محاربة الفساد الذي يعتبر النتيجة الطبيعية لزواج رأس المال بالسلطة السياسية، وكذلك نقد هيمنة النزعة التقنية والمحاسباتية على الجانب الاقتصادي بما يقلب رأساً على عقب تعريف الاقتصاد بما هو خلق الثروة وآليات توزيعها في المجتمع، هذه النزعة النيوليبرالية أسس لها كثيراً الثنائي مارغريت تاتشر ورونالد ريغان بداية الثمانينات من القرن الماضي، وأصبحت اليوم تحت أقدام المحتجين في الشوارع وفي خطابات كثير من الزعماء والحركات السياسية غير التقليدية، بما في ذلك شوارع العواصم الغربية مثل حركة "السترات الصفر" في فرنسا.


 حركية الشعوب تكشف أن العالم يعرف منذ نهاية القرن الماضي تحوّلات عميقة على مختلف المستويات، شملت بالأساس الجوانب الاقتصادية التي كانت لها انعكاسات عميقة على مفهومي الديموقراطية والدولة ودور هذه الأخيرة ومن خلالها دور مؤسسات الوساطة التقليدية المتمثلة في الأحزاب السياسية والنقابات العمالية وغيرها، وما رافق هذه الوسائط من سرديات قدّمت تصوّرها للدولة والمجتمع من زوايا مختلفة. الأكيد أن جُل بلدان العالم تعيش هذه التحوّلات من دون امتلاك القدرة على التحكم فيها أو الحد من تبعاتها، فإذا كان الأمر على المستوى الاقتصادي يتم وفق عملية الاحتواء والدمج من جانب الرأسمال العالمي الذي بلغ درجة عُليا من التركيز في زمن تغوّل النيوليبرالية، فإن تبعات ذلك على المستوى الاجتماعي والسياسي تحتاج إلى بحث أعمق وإلى مساءلة نقدية، إذ يرى البعض أننا نعيش زمن الأفق ما بعد السياسي في ظل تراجع الفكرة الديموقراطية بتراجع أسسها الاقتصادية.


في أعقاب الأزمة المالية التي تحوّلت أزمة اقتصادية سنة 2008، عرفت الولايات المتحدة الأميركية، معقل الرأسمالية المتوحشة، حركة جماهيرية تُدعى "لنحتل وول ستريت"، وقد حدّدت هدفاً لها هو مواجهة جشع الرأسماليين وسلطتهم في الدولة، في لحظة كانت الأزمة الاقتصادية في طريقها للخروج عن السيطرة مع انهيار مؤسسات الائتمان الكبرى.


ما يجري اليوم في عدد من بلدان العالم يمكن اعتباره نقطة نظام حول المسارات التي اتخذتها الرأسمالية المتوحشة التي بسطت قيمها ومنطقها في ظل غياب أي بدائل فكرية قادرة على قيادة مواجهة إيديولوجية بما يحقق التوازن المفقود منذ انهيار جدار برلين وتفكك الكتلة الشيوعية. إن ما يجري اليوم لا يميز بين المصارف والأنظمة، ظهر ذلك جلياً في الحراك الذي عرفه لبنان، فكثير من  الأنظمة أضحت مجرد ملحقات للمصارف، فهل نحن أمام مخاض يمثل مقدمة لمواجهة قادمة بين الشعوب وبين الرأسمالية المتوحشة؟ أم أننا أمام صرخة الديك المذبوح؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم