إعلان

أن تتذكّر "صباح" في مناسبة محمد رمضان

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
الصورة التي أثارت الغضب غلى رمضان
الصورة التي أثارت الغضب غلى رمضان
A+ A-
في سبعينات القرن الماضي، صافحت الفنانة اللبنانية الراحلة "صباح" إسرائيلياً في حفل عام. من دون مقدمات ومن دون معرفة سياسية وجدت نفسها في مواجهة مع البيوت التي أحبتها، الشابة البريئة العاشقة التي ظهرت في أفلام خفيفة بفساتين مشجرة، وأغان مكتوبة بكلام بسيط، وجدت نفسها في مواجهة مع يسار متحمس ووطنيين منفعلين وأحزاب قومية، كانت تلك مصافحة مكلفة تسببت بالكثير من الحزن والغضب. صباح واجهت منتقديها في حينه باعتذار يشبه فساتينها المشجرة في الأفلام، وزينتها الصادمة المحببة على المسرح، كان ردها بسيطاً ونابعاً من براءتها وتطرّفها الإنساني الذي لم يفارقها، قالت "لم أنتبه، الرجل تقدم ماداً يده للمصافحة فصافحته"، طبعاً سيكون الشرح بصوت وتعابير ولهجة صباح اللبنانية المطعمة بشيء من اللين المصري أعمق أثراً في السامع والقارئ من محاولتي المتسرعة هذه، كان التصرف آنياً وبريئاً ووليد الموقف، وكان الاعتذار واضحاً من دون تحايل، لم يكن لدى صباح رسائل أو مشاريع أو استثمار مؤجل أو محاولة للتقرب من جهة، أو شبهة النفاق أو التذاكي، لهذا بدا الأمر أشبه بزلّة طيّبة من زلات صباح الكثيرة التي أحبها الناس.
 
لا يملك محمد رمضان، الفنان المصري، براءة صباح، ولا طفولتها، وقبل كل شيء لا يملك موهبتها، أو الطريقة التي أحبّها بها الناس. 
 
مهمة، طريقة الناس في حب نجم، شيء كالبصمة لا يمكن تكراره، عاطفة غامضة أشبه بنظام جماعي غير مرئي. يحب الناس نجومهم بطرق مختلفة، أحببنا أسمهان برغم غموضها وتشوش الروايات حولها، أحببنا فيروز بطريقة مختلفة تماماً منحناها لقب "السيدة"، وأم كلثوم التي احتكرت لقب "الست"، عمر الشريف بوسامته وشاربي "جيفاكو" القادمين من الحرب الأهلية الروسية...، وكان الحب الذي رافق "صباح" حتى تشييعها الاستثنائي، بناءً على وصيتها، يتمتع بعاطفة الرعاية والمغفرة. وهو أمر لم يدركه الفنان المصري، لذلك بدا مفجوعاً وهو يلوم بسذاجة مفرطة "جمهوره" الذي لم يقف معه ولم يسارع الى دعمه، إثر نشر صوره مع بعض الإسرائيليين فيما بدا أنه احتفال في ملهى.
 
هي أمور لا يملكها رمضان، اللمسة العميقة لقلوب الناس والفطنة، ولا تشي سلسلة الصور ومقاطع الفيديو التي انهالت عليه من مواقع إسرائيلية، بشكل بدا مقصوداً، ببراءته، برغم أنه التقط بعد ساعات من انطلاق الحملة فلسطينياً و"تصوّر" معه، وارتدى ملابس عسكرية في ظهور لاحق بعدما حشر طفلاً في الصورة، ابنه على الغالب، وقد وضع على رأسه قبعة الجيش المصري، ووضع العلم الفلسطيني على صفحته في صورة أخرى، ولكن كل ذلك لم يمنع نقابة الفنانين المصريين من توقيف أعماله واستدعائه للتحقيق، ولم يمنع نقابة الصحافيين من حجب أخباره وما يتعلق بأنشطته الى حين انتهاء التحقيق، ولم يمنع السّيل المتدفق من عشرات آلاف المعلقين الغاضبين، ومنهم من لم يسمع برمضان قبل الحادثة.
 
يراقب الناس كل شيء الآن، تمنحهم مواقع التواصل الاجتماعي المزيد من العيون والآذان، وتغذي فضولهم ونزعاتهم في إبداء الرأي، ثمة سلطة تنطوي عليها هذه المواقع تتعزز باستمرار وتواصل، عبر متواليات متلاحقة، إعادة إنتاج نفسها.
 
هذا الأمر يصعب تمريره في مصر، حتى بعد أربعة عقود من توقيع اتفاقية السلام بين السادات وبيغن، ليس من السهل تمرير مثل هذه التبريرات، فقد استقر الصراع الطويل بين النقابات والاتحادات والمؤسسات الممثلة للقطاعات الشعبية في مصر مع حكوماتها، على اختلافها، الى اتفاق مضمر، التطبيع مع الحكومة وليس مع الناس، اجتهاد سياسي لا يتمتع بالرغبة الشعبية، هكذا التزمت الحكومات المتعاقبة على مصر الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، بما فيها حكومة "الإخوان المسلمين" برئاسة الراحل محمد مرسي الذي وصف شمعون بيرس بـ"الصديق الكبير"، وحافظت المؤسسات الشعبية والنقابية على موقفها الرافض، الضجة التي أثيرت حول "رمضان" وموقف النقابات ذكرت بقوة بهذا "التعايش" وإعادته الى الواجهة.  
 
الأمر في مصر، يتجاوز "فلسطين" ويبدأ من مصر نفسها ثم يذهب الى فلسطين، الى صورة فلسطين في المخيلة العربية، ولكنها صورة تنبع من مصر قبل كل شيء وفيها أثر عميق من الخصوصية المصرية، هذا هو سبب رسوخها وقوة نفوذها، مصر التي خاضت أربع حروب مريرة مع إسرائيل، لعل أكثرها تماساً مع الحياة اليومية المصرية هي أقلها شهرة والتي لا تحتسب عادة، حرب الاستنزاف، معظم الحروب كانت تجري على الجبهات وخلال فترات قصيرة، لم يكن العمق المصري على تماس مباشر بها، كانت الحرب بالنسبة الى المصريين أخباراً تصل غالباً متأخرة وأولاداً لم يعد بإمكانهم الظهور في أول الشارع بملابس المجندين وحقيبة الكتف وبهجة الإجازة.
 
من يتذكر مسرحية "رسول من قرية تميرة للاستفهام عن مسألة الحرب والسلام" لمحمود دياب.
في حرب الاستنزاف الطويلة، التي تبدو مرحلة بين هزيمة حزيران (يونيو) وإنجاز الجيش المصري في تشرين الأول (أكتوبر)، وصلت الحرب الى المصانع والمدارس، وارتكبت الطائرات الإسرائيلية مجازر حقيقية بين الطلبة والعمال والمارة والعابرين الى أشغالهم في الشوارع والموظفين المتقاعدين الذين يقرأون "الأهرام" في المقاهي. استطاع المصريون خلال تلك الحرب أن يتعرفوا الى المدى المتوحش الذي يمكن أن تصل اليه العقيدة العدوانية للمؤسسة العسكرية في إسرائيل، ولكنهم استطاعوا في الوقت نفسه أن يختبروا خلال تلك السنوات قوتهم، وأن يتخطوا الهزيمة وأن يستعيدوا ثقتهم بجيشهم بعد انهياره المفجع في حرب الـ67.
 
محمد رمضان لم ينتبه لكل هذا، ولذلك أضاف الى بؤسه جهلاً مضاعفاً فبدا مثيراً للشفقة.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم