إعلان

سوء تفاهم لا علاج له في السّودان...

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
البرهان وحمدوك  قبل إنقلاب العسكر
البرهان وحمدوك قبل إنقلاب العسكر
A+ A-
لن يحل الانقلاب العسكري أيّاً من مشكلات السودان، مهما غطّى هذا الانقلاب نفسه بشعارات ووعود من نوع إجراء انتخابات نيابيّة في صيف سنة 2023. على العكس من ذلك، سيعمّق الانقلاب من هذه المشكلات التي كانت تحتاج الى تفاهم بين رئيس الوزراء عبد الله حمدوك والقادة العسكريين. على رأس هؤلاء عبد الفتاح البرهان وقائد قوات التدخل السريع محمد حمدان دقلو الملقّب بـ"حميدتي"، المعروف بأنّه أحد الرجال الأقوياء في المؤسسة العسكريّة.
 
في أساس مشكلات السودان، أنّ الوقت لا يعمل لا لمصلحته ولا لمصلحة السودانيين أينما كانوا على أرضه الشاسعة. ما نفع كلّ الانقلابات وكلّ حالات الطوارئ في غياب حلول لأزمة اقتصاديّة واجتماعيّة تتعمّق يومياً، خصوصاً في ظلّ ما يجري في شرق السودان حيث الميناء الأساسي (بور سودان) الذي تستورد منه الحاجات الأساسيّة للبلد والناس؟
 
يبدو السودان مقبلاً على مزيد من التشرذم والتشظي، في غياب سلطة مركزيّة قويّة تقوم على تفاهم حقيقي بين العسكر والمدنيين تمرّر المرحلة الانتقاليّة المتفق عليها بسلام. بموجب مثل هذا التفاهم، كان يفترض في كلّ طرف من الطرفين التزام حدوده وصلاحياته بغية الانتقال الى ما بعد المرحلة الانتقالية.
 
خلاصة الأمر أنّ السودان، منذ استقلاله، في دوامة آن أوان وضع حدّ لها عن طريق تثبيت الأسس لحكم مدني بضمانة من القوّات المسلّحة التي حكمت البلد سنوات طويلة منذ الاستقلال، في ضوء فشل السياسيين في إقامة نظام قابل للحياة. هل يمكن للقوات المسلّحة لعب الدور المطلوب منها بالنسبة الى حماية المؤسسات المدنيّة للدولة... أم أنّ العسكر في السودان لا يستطيعون إلّا أن يكونوا الوصيّ على الحكم المدني في حال قبولهم به؟
 
يقف السودان عند مفترق طرق. في غياب تسوية تفضي الى قيام حكم مدني حقيقي، سينتقل البلد من خضّة الى خضّة أخرى. بكلام أوضح، سيدور السودان في حلقة مقفلة تحتاج الى من يكسرها نهائياً. هذا ما لا يبدو أن العسكر على استعداد للقبول به، خصوصاً أنّهم يعتبرون أنفسهم ضمانة لأي حكم مدني في وجه انقلاب عسكري جديد يقوم به "الإخوان المسلمون" من أنصار عمر حسن البشير المتغلغلين في كلّ المؤسسات وفي كل المواقع الرسميّة منذ سنوات طويلة. لا يمكن تجاهل أنّ نظام البشير بقي في السلطة ثلاثين عاماً. اضطر السودانيون الى البقاء في الشارع أربعة أشهر قبل أن يقتنع العسكر بأنّ ليس أمامهم من خيار آخر غير إزاحته في نيسان (أبريل) من عام 2019.
 
كشفت ظروف إقالة البشير وسجنه وجود سوء تفاهم في العمق، لا علاج له، بين المدنيين والعسكريين في السودان. من وراء جعل الديكتاتور المخلوع ينتهي في السجن؟ الحقيقة أنّ الثورة الشعبيّة أطاحته. لكن الحقيقة الأخرى أنّ من حسم الأمر كان كبار العسكريين الذين "أقنعوه" أخيراً، بطريقتهم، بأنّ لا أمل له بالبقاء في السلطة. تلك السلطة التي كان البشير مستعداً لكلّ شيء من أجل البقاء فيها. يظلّ الدليل الأبرز على ذلك، قبوله باستفتاء شعبي أدّى الى انفصال الجنوب وقيام دولة مستقلّة فيه في تموز (يوليو) 2011. بقي السودان موحداً أم لم يبق. المهمّ بالنسبة الى عمر حسن البشير بقاؤه في موقع الرئيس!
 
منذ استقلّ السودان عام 1956، يلجأ المدنيون الى العسكر في كلّ مرّة يثبت فيها فشلهم في إدارة البلد... ويلجأ العسكر إلى واجهة مدنيّة بين حين وآخر، بغية تغطية عجزهم عن ممارسة الحكم. عام 1958، سلّم السياسيون السلطة الى العسكري إبراهيم عبّود بعدما اكتشفوا أنّهم غير قادرين على ممارسة مسؤولياتهم. ما لبث إبراهيم عبود نفسه أن وصل الى طريق مسدود عام 1964. كان كافياً نزول الناس الى الشارع وإطلاق شعار "الى الثكنات يا حشرات" كي يعود المدنيون الى السلطة التي ما لبث أن تسلّمها انقلابي أرعن عديم الثقافة اسمه جعفر نميري. بقي النميري في الرئاسة حتّى عام 1985، قبل أن يضطر الى التنازل في ضوء ترهّل بلغه السودان على كل صعيد.
 
بعد فترة قصيرة من الحكم المدني، نفّذ ضباط إسلاميون كان يرعاهم زعيم "الإخوان المسلمين" حسن الترابي انقلاباً عسكرياً، من منطلق أنّ "الإسلام هو الحلّ". خرج البشير على طاعة الترابي ومارس حكماً عسكرياً مباشراً أنهته ثورة شعبيّة يرفض كبار الضباط الاعتراف بها وبحقها في تشكيل سلطة تكون بالفعل السلطة المسؤولة عن إدارة شؤون السودان، وإعادة بناء اقتصاده، وإيجاد حلول لمشكلات في غاية التعقيد من نوع مشكلة شرق السودان.
 
اتخذ السوان منذ إيداع عمر حسن البشير وأركان نظامه السجن خطوات عدة تميّزت بالجرأة، خصوصاً في مجال الانفتاح على العالم ودول المنطقة والتخلص من العقوبات التي فرضت على البلد. لكنّ كلّ هذه الخطوات تبدو ناقصة في غياب تفاهم في العمق بين المدنيين والعسكر. تبيّن أن الوصول الى مثل هذا التفاهم مستحيل...
 
إذا لم يمتلك العسكر مثل هذه القناعة، التي تفضي الى وقف الابتزاز للمدنيين، سيبقى السودان في دوامته الأزليّة التي تهدّد بمزيد من الأزمات والانقسامات الداخلية التي مهّد لها انفصال الجنوب... وهو انفصال يتبيّن بعد مرور عشر سنوات عليه أنّه لم يكن لا في مصلحة الشمال ولا في مصلحة الجنوب نفسه!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم