إعلان

بديل لاءات الخرطوم...

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
المجلس السيادي السوداني
المجلس السيادي السوداني
A+ A-
 
رافق خطوة السودان إقامة علاقات مع إسرائيل كلام واقعي يعكس الى حدّ كبير نضجاً لدى القيادة السياسية التي تولّت السلطة، وإنْ موقتاً، بعد اطاحة نظام عمر حسن البشير العام الماضي. هناك كلام صدر عن أعضاء في المجلس السيادي الذي يضمّ مجموعة من كبار الضباط وعن أعضاء في الحكومة التي يرأسها عبدالله حمدوك يشير الى رغبة السودان في الخروج من عزلة عمرها ثلاثة عقود، بين 1989 و2019. جعلت تلك العزلة من السودان بلداً منبوذاً.
 
بات المسؤولون الحاليون في الخرطوم على قناعة بأن الشعارات لا تطعم خبزاً وبأنّ هناك ثمناً لا بدّ من دفعه في حال كان مطلوباً أن يكون السودان بلداً محترماً وجواز السفر السوداني من النوع المقبول دولياً...
 
ليس معروفاً هل سيكون هناك تطبيع حقيقي بين السودان وإسرائيل، أي هل سيكون هناك تفاعل شعبي إيجابي في الشارع السوداني مع ما تحقق... أم تبقى الاتصالات والحوارات محصورة بالمستوى الرسمي.
 
الأكيد ان الكثير سيتوقف على إشارات إسرائيلية تؤكّد أن تغييراً حصل فيها. مثل هذا التغيير سيعني قبل كلّ شيء نوعاً من التعاطي المختلف مع الفلسطينيين، بعيداً من فكرة متابعة الاستيطان، رغم حال الضياع التي تعاني منها القيادة الفلسطينية والتي جعلتها تطلق تصريحات من النوع المضحك – المبكي يميناً ويساراً متجاهلة أنّ السودان، مثله مثل دولة الإمارات العربية المتّحدة ومملكة البحرين، لم يمنعها يوماً من تحرير فلسطين... ولم يعترض على اتفاق أوسلو.
 
بدل لاءات قمّة الخرطوم الثلاث، لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات، التي أطلقت في العام 1967 مباشرة بعد الهزيمة العربية، هناك حالياً موازين جديدة للقوى في المنطقة لا مفرّ من التعاطي معها. ليس المقصود بهذا الكلام موازين القوى العسكرية. الكلام هو عن موازين قوى اقتصادية تفرض نفسها بقوّة وتجعل أي نظام جديد في السودان مجبراً على التعاطي معها في حال كان يريد تطوير البلد في كلّ المجالات، بما في ذلك المجال الزراعي.
 
فرضت الإدارة الأميركية شروطاً لرفع اسم السودان من قائمة الإرهاب. من بين هذه الشروط العلاقات مع إسرائيل. توجد ترجمة عملية لرفع اسم السودان من قائمة الإرهاب. بكلام أوضح، لا مجال لعودة السودان الى النظام المصرفي الدولي، الذي خرج منه للأسف الشديد بلد مثل لبنان أخيراً، إلّا وفق الشروط الأميركية. هل يستطيع السودان السماح لنفسه بالبقاء على القائمة في حال كان يريد التعاطي مع العالم بطريقة طبيعية بدل اعتماد سياسة الابتزاز التي كان عمر حسن البشير خبيراً فيها. آوى السودان، في عهد البشير، الإرهابي "كارلوس" وما لبث أن سلّمه الى فرنسا في العام 1994 ووفر ملجأ لأسامة بن لادن بين 1993 و1996 قبل أن يبعده الى أفغانستان. هذان مثلان حيّان على ما فعله رئيس النظام السابق في السودان الذي تورط في أعمال إرهابية كثيرة بينها المساعدة في نسف المدمّرة الأميركية "كول" في عام 2000 في ميناء عدن.
 
أمام استعادة السودان ازدهاره طريق طويل. ليس كافياً تخلّصه من هيمنة تنظيم "الإخوان المسلمين" الذي استثمر طوال ثلاثين عاماً في عملية تغيير طبيعة المجتمع السوداني الذي كان معروفاً بأنّه مجتمع مسالم ومتسامح. لم يكن السودان همّ البشير يوماً. كان همّه الحفاظ على نظامه بغض النظر عن الثمن. على سبيل المثال وليس الحصر، تخلّى البشير عن جنوب السودان الذي أصبح دولة مستقلّة، وذلك من أجل البقاء في السلطة.
 
يعتبر السودان دولة أفريقية في غاية الأهمّية. لديه ثروة زراعية كبيرة قابلة للتطوير في حال توافرت الاستثمارات في هذا المجال وفي مجالات أخرى مثل النفط والغاز. فوق ذلك، يمتلك السودان موقعاً استراتيجياً على ساحل البحر الأحمر. وهو غنيّ بالمياه أيضاً. ففي الخرطوم يلتقي النيلان الأزرق والأبيض.
 
يبقى الأهمّ من ذلك كلّه بناء نظام جديد قابل للحياة يؤسّس لسودان جديد. ما يدعو الى التفاؤل وإن بحذر، أن الشعب السوداني عرف كيف يقاوم نظام البشير ولم يتراجع أمام التهديدات. صمد الشعب السوداني في الشارع طويلاً في عزّ موسم الحرّ قبل أن يحقّق انتصاره على نظام متخلّف ومتزمّت في الوقت ذاته. كانت للنظام ميليشيات خاصة به استخدمها ضد السودانيين في الخرطوم كما استخدمها حيث واجه مشاكل في مناطق سودانية مختلفة مثل دارفور. 
 
لم يكن أمام الجيش السوداني في نهاية المطاف سوى الانحياز الى الشعب الذي لا تزال فيه نواة صالحة من الشباب الواعي تسعى إلى تحويل السودان دولة عصرية. ما الدور الذي سيلعبه الجيش مستقبلاً؟ هل يقبل بتسليم السلطة الى المدنيين ام سيبقى يلعب دوراً في مجال التحكّم بالحياة السياسية؟
 
أقدم السودان على خطوة جريئة في غاية الأهمّية تذكّر بحيوية شعبه الذي سبق له أن تخلّص من الحكم العسكري في مناسبتين سابقتين. في عام 1964، نزل السودانيون الى الشارع وأنهوا حكم الفريق إبراهيم عبّود. رفعوا شعار "الى الثكنات يا حشرات" وأجبروا العسكر على تسليم السلطة الى المدنيين من دون سفك نقطة دمّ. في 1985 أنهوا نظام المشير جعفر نميري الذي حكم منذ عام 1969. عادت، بعد ذلك، الأحزاب السودانية الى الواجهة مجدداً لمدّة أربع سنوات.
 
ما الذي ينتظر السودان في 2020 في ظلّ التزاوج القائم، طوال المرحلة الانتقالية الراهنة، بين العسكريين والمدنيين وتعاون في العمق مع إدارة أميركية لم تترك للمجلس السيادي الانتقالي ولحكومة برئاسة عبدالله حمدوك غير خيار العلاقات مع إسرائيل؟
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم