إعلان

في كواليس لقاء ماكرون- ميقاتي: الطّموحات والسّقطات

المصدر: النهار العربي
فارس خشان
فارس خشان
ماكرون خلال استقباله ميقاتي
ماكرون خلال استقباله ميقاتي
A+ A-
قبل ظهر يوم الجمعة الأخير، أرسل عدد من وسائل الإعلام إشعارات إخبارية، لفت فيها الى أن سعر الدولار الأميركي انخفض في السوق السوداء اللبنانية، كانعكاس لترقبات إيجابية تستبق اللقاء المقرر، ظهر اليوم نفسه في باريس، بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي.
 
ولكنّ الوسائل الإعلامية نفسها، وفي ضوء عودة سعر صرف الدولار الأميركي الى الارتفاع، بعد ظهر الجمعة ذاته، مسجّلاً أعلى مستوى له، منذ تشكيل الحكومة الميقاتية، امتنعت عن ربط هذا التطوّر بلقاء ماكرون وميقاتي.
 
وبالفعل، فإنّ لقاء ماكرون - ميقاتي والاجتماعات التمهيدية التي سبقته، لم تقدّم جديداً من شأنه أن يعطي زخماً إيجابياً للواقع اللبناني، فإذا كانت باريس قد "تمترست" عند شروطها المعروفة، فإنّ بيروت لم تُظهر ما من شأنه أن يوحي بقدرتها على الالتزام بتعهّداتها.
 
ولم يكن صعباً على المراقبين أن يكتشفوا أنّ لقاء ماكرون – ميقاتي لم يهدف الى تحقيق قفزة نوعية حقيقية، بقدر ما كان محاولة من الطرفين تطمح الى تبادل المنافع الشكلية: الرئيس الفرنسي، باستقباله الاحتفائي لرئيس الحكومة اللبنانية إنّما كان يريد إخراج لبنان من قائمة الفشل التي سيُحاسب عليها في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة بعد أقل من سبعة أشهر، فيما رئيس الحكومة اللبنانية يحتاج الى هذا اللقاء، بكل ما تضمّنه من "أناقة باريسية"، للقول إنّه يتمتع بدعم خارجي كبير.
 
ويعرف كل من ماكرون وميقاتي أنّ الحكومة التي وافق الأوّل على تشكيلها بالاتفاق مع إيران و"حزب الله" وترأّسها الثاني، لا تتمتّع بمواصفات يمكن أن تؤهّلها للنجاح، لأنّها، بالمحصّلة، حكومة تكريس هيمنة "حزب الله" وحلفائه والخائفين منه، على البلاد.
 
وقبل وصول ميقاتي الى باريس، انشغل لبنان بتهديد "حزب الله" للمحقق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت طارق بيطار الذي قد يجد نفسه، قريباً جداً، جالساً الى جانب زميله المخلوع فادي صوّان، يقرآن معاً مواقف ماكرون التي تطالب لبنان بتحقيقات شفّافة لكشف جميع المتورطين بهذه الجريمة ومحاسبتهم ومعاقبتهم.
 
وقبل أن يعانق ماكرون ميقاتي في الباحة الخارجية للقصر الرئاسي الفرنسي، كانت معابر "حزب الله" تُدخل الى البلاد الدفعة الثانية من المازوت الإيراني، ليوزّعها هذا الحزب، تحت عيون ميقاتي "الذابلة" من فيض "حزنه"، كيفما شاء، وليبيعها بالسعر الذي يرتئيه، غير آبه لا لوزارة مختصة ولا لضرائب مفترضة، ولا لمنافسة تجارية غير مشروعة، ما ذكّر اللبنانيين بتجارة "حزب الله" المفتوحة، منذ سنوات، على استيراد ما يشاء، وحين يشاء، من دون أيّ حسيب أو رقيب. وهذا ما يخشى أن يتعزّز في الآتي من الأيّام مع تسليم وزارة النقل المسؤولة عن المعابر والمرافئ والمطار والطرق والأنفاق، لهذا الحزب.
 
وقبل أن يهضِم ماكرون وميقاتي أطباق طاهي قصر الإليزيه، كان "الحزب السوري القومي الاجتماعي" يستعرض مقاتليه وأسلحتهم الفردية في شارع الحمراء، في العاصمة.
وكان من شأن هذه المشاهد اللبنانية أن تحوّل لقاء الإليزيه الى حالة فولكلورية لا أكثر ولا أقل.
 
وماكرون وميقاتي ليسا بريئين من ذلك، فالأوّل تنازل كليّاً عن المواصفات التي أعطاها للحكومة في المبادرة الفرنسية، بحيث انتقل من التشديد على حكومة اختصاصيين مستقلين الى الضغط لمصلحة "حكومة الأقنعة"، أمّا ميقاتي، فانتقل من موقع "المتزمّت دستورياً"، سواء في "نادي رؤساء الحكومة المستقلين" أو خارجه، إلى ذاك الذي يشيد به رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، في كلمته في جلسة الثقة النيابية، لأنّه "أعطى كل فريق حق تسمية وزرائه".
وهذا يعني أنّ طرفي لقاء باريس، ارتضيا، كلّ لأسبابه الخاصة، تشكيل حكومة أضعف بكثير من الظروف التي قادت لبنان الى الانهيار الكبير.
 
وحكومة بهذه الوضعية الضعيفة لا يمكنها، في أيّ حال من الأحوال، أن تعطي الثقة التي يطلبها المجتمع الدولي، على مختلف درجاته، من أجل أن يهب لتقديم ما يحتاجه إنقاذ لبنان.
في اجتماع الوزير السابق النائب نقولا نحّاس الذي أصبح المعاون الاقتصادي لرئيس الحكومة مع "ناظر" مؤتمر "سيدر" بيار دوكان، في فندق "جورج الخامس" في باريس، كما في اجتماع ميقاتي ونحّاس مع المستشار الرئاسي باتريك دوريل في الفندق نفسه، قبل لقاء قصر الإليزيه، كان واضحاً أنّ الطموحات في مكان والقدرات في مكان آخر.
 
لقد ظهر واضحاً أنّ أقصى طموح ميقاتي أن يتمكّن من تحسين ساعات التغذية بالطاقة الكهربائية، بتوفير ما يلزم من وقود، عبر اتفاقيات تعقد من دولة الى دولة، وأن تعينه فرنسا على تحسين علاقاته مع المملكة العربية السعودية وسائر دول مجلس التعاون الخليجي. الطرف الفرنسي طموحه أوسع بقليل، فهو يريد إلى جانب الكهرباء تعيين الهيئات الناظمة للكهرباء والاتصالات وغيرها، كما يريد التعاطي الحاسم مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والمصارف اللبنانية، وإجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها الدستورية.
 
ولكن من أين لميقاتي أن يحقّق هذه التطلعات الفرنسية التي على أساسها يمكن إقناع بعض الدول والصناديق بدعم لبنان؟ فتعيين الهيئات الناظمة يمكنه أن ينقلب وبالاً عليه، لأّنّ المحاصصة فيها ستكون أعنف من المحاصصة في الحكومة، والتعاطي مع المسألة المصرفية، وفق "الرؤية الفرنسية"، سيضع ميقاتي في مواجهة لا يريدها مع "الفئة اللبنانية الأقرب إليه"، والذهاب الى انتخابات نيابية "نزيهة" ليست لديه، بل لدى الممسكين الفعليين بالقرار اللبناني، الذين يعرف أنّهم يخيّرون اللبنانيين بين "انتخابات غير ديموقراطية"، بحيث يتم حذف العوامل المؤثرة في التغيير منها، كالسماح للمغتربين اللبنانيين الذين ارتفعت أعدادهم، مع موجة الهجرة الجديدة، من جهة، ومنع إجراء هذه الانتخابات، من جهة أخرى.
 
إنّ الإشارات الأولى التي وصلت الى قصر الإليزيه، قبل دخول ميقاتي إليه وبعد خروجه منه، بيّنت أنّ التفاهم مع إيران لم ينتج مصطفى كاظمي لبنانياً، واستقبال ميقاتي لدى وصوله ووداعه لدى ذهابه، في الباحة الخارجية، تحت عدسات المصوّرين، لن يُقدّم ولن يؤخّر.
وما لم يفضحه السياسيون والدبلوماسيون والمراقبون، فهمه، فوراً، دولار السوق السوداء في لبنان، لأنّ ميقاتي ليس أوّل من دخل قصور الدول الكبرى، ليخرج منها لبنان بـ"خفّي حنين".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم