إعلان

تركيا والعرب... أوهام الماضي وحقائق الحاضر

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
علم تركيا
علم تركيا
A+ A-
مشكلة القادة الشعبويين انهم لا يشبعون، فالطموح عندهم ليس له سقف ولا حد. وآفتهم انهم لا يتعلمون من الدروس. فعبر التاريخ، صعد الى سماء النجومية قادة استطاعوا كسر الحواجز والقيود وتوسيع مساحات سلطتهم الى آفاق غير مسبوقة. ثم، إذا بلغوا منالهم وحققوا غاياتهم عجزوا عن التوقف. وبدلا من أن يهضموا ما ابتلعوه ويحصنوا ما اكتسبوه للعمل على تنمية ما تحت أيديهم، واصلوا المسير، حتى يثقل بهم الحمل وتتراكم عليهم التحديات ويخسرون كل ما كسبوه، فالطمع "ضيع ما جمع". 
 
في القرن الماضي، على سبيل المثال، كسر هتلر عهداً أخذه على نفسه بأن لا يكرر أخطاء من قبله، كنابليون، فحارب على أكثر من جبهة. ونجح في السنوات الأولى في تحقيق ذلك، سيطر على معظم أوروبا، وحقق أهم اهدافه. وبدلا من أن يكتفي بما حققه، ويعمل على تنميته وتطويره وتأمينه، هاجم حليفه الاتحاد السوفيتي منتصف عام 1941، وكسر بذلك معاهدة عدم الاعتداء معه، فغرق في زمهرير شتائه ومستنقع مساحاته الشاسعة، تماما كما وقع نابليون. ثم كرر الخطأ مع الولايات المتحدة، فاتسعت الرقعة على الراقع.
 
وفي العالم العربي، قاد طموح بعض القادة "الشعبويين" ومنهم جمال عبد الناصر وصدام حسين الى صدامات سياسية وعسكرية في أكثر من اتجاه. وفي نهاية المطاف، غادروا المشهد بأقل مما دخلوا به. 
 
اليوم، يكرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخطاء ذاتها، رغم تعهده بتلافيها في بداية صعوده. فمشروع حزب العدالة والتنمية وحكومته في مطلع القرن الحادي والعشرين ركز على تنمية البلاد وتطويرها، وتحسين علاقاتها بجيرانها وأوروبا والعالم في غربه وشرقه. وكان شعار تركيا حينها "صفر مشاكل"، ما وفر للبلاد بيئة آمنة، جاذبة للاستثمار والسياحة والإقامة، وحقق لها قفزات سريعة على طريق التنمية الصناعية والزراعية والعسكرية، حتى استحقت عضوية مجموعة العشرين، لأقوى اقتصاديات العالم، وفتحت لها ابواب الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، وانهالت عليها الاستثمارات الأوروبية والدولية والخليجية في كل القطاعات الانتاجية والعقارية، وارتفعت اعداد السياح الى مستويات قياسية. 
 
استمرت مسيرة النمو المتسارعة مع تحسن ملموس في التعاون الدولي، وعلاقات متميزة مع المحيط العربي والأوروبي وروسيا، حتى تكشفت في سنوات اعصار الربيع العربي ادوار مشبوهة لأنقرة في مؤامرة لإعادة رسم الخارطة العربية بالتعاون مع إدارة الرئيس باراك اوباما وإيران وجماعة الأخوان المسلمين وبتمويل سخي من قطر وتغطية اعلامية مكثفة من شبكة قنواتها وأذرعها الاعلامية تتقدمهم قناة الجزيرة. 
 
في البداية تحفظت تركيا على الاعتراف بدورها، لعلها تحافظ على علاقاتها مع الدول العربية المؤثرة، كالسعودية والإمارات، حتى يأتي عليها الدور في مخطط التقسيم. لكن فشل المشروع في مصر والأردن والبحرين والمغرب، بتدخل ودعم مباشر من الرياض وأبوظبي، والسقوط المدوي للحكومة الإخوانية في القاهرة بثورة 2013، افقد حكومة أردوغان صوابها، فجاءت ردود الفعل متشنجة وعلنية في تدخل واضح في الشؤون الداخلية لدول عربية ذات سيادة، كسوريا ومصر وليبيا. 
 
ساءت نتيجة ذلك، العلاقات السياسية العربية مع تركيا، وإن لم تتأثر بالقدر نفسه العلاقات الاقتصادية. وفي عام 2015 قررت السعودية اعطاء تركيا فرصة ثانية، فتحسنت العلاقات معها على أكثر من صعيد. وتبادل كبار القادة الزيارات ورفع مستوى التنسيق الى مجالس عليا. 
 
كأن الأمل والتوقع في أن أردوغان أدرك ان مشروعه العربي فشل، ومع تغير الإدارة الأميركية في العام التالي، فقد الرعاية الأميركية. وأن المراهنة على خروج إيران من القمقم بالاتفاق النووي، ستواجهه إدارة جديدة في البيت الأبيض وتعلن مبكرا عن إصرارها على تعديله أو الغائه. وكان الرهان على أن المصالح المتنامية مع الدول الخليجية والواعدة مع مصر والعراق والشمال الافريقي ستكون كافية لتغيير البوصلة، من الهيمنة السياسية والايدولوجية الى التعاون والتكامل والمصالح المشتركة. 
 
إلا أن القائد الشعبوي الذي تحركه حسرات الماضي وأوهام الحاضر واطماع المستقبل، تطربه الجماهيرية وتسيطر عليه العقائدية وتلزمه الثوابت الحزبية، فقد براغماتيته التي أوصلته وبلده الى الصفوف الأولى، وقرر أن يواصل مشروعه مهما كلف الثمن. 
 
تلاعب أردوغان كما فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالدستور والقوانين الانتخابية، وتبادل المقاعد بين رئاسة مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية، ليطيل أمد حكمه. استفاد من محاولة الانقلاب 2015 ليقضي على منافسيه المدنيين والعسكريين بضربة واحدة. واستغل سيطرة حزبه على البرلمان ليغير نظام الحكم الى نظام رئاسي 2018، مفصل على مقاسه. ويعمل اليوم على تغيير الدستور ليضمن التمديد مرة بعد أخرى الى ما بعد العام 2030. 
 
ولكسب الشارع، لعب على وتر القومية التركية تارة، والإسلامية تارة أخرى، ليبرر مغامراته العسكرية الخطرة في دول الجوار وقواعده العسكرية من سوريا والعراق وأذربيجان، وصولا الى شرق المتوسط وشمال أفريقيا وقطر والصومال. 
 
استعدى أردوغان أوروبا سياسيا وناورها عسكريا فجمدت مفاوضات ضم تركيا الى الاتحاد الاوروبي، واستغضب روسيا بإسقاط مقاتلتها ودعمه للنصرة وداعش والجهاديين في سوريا وليبيا، فتوقف مشروع أنبوب الغاز وحرم ملايين السياح الروس، وناطح واشنطن في قضية القس الأميركي فأطاحت بالليرة التركية، وتعدى على الحريات العامة في الداخل وتلاعب بالأنظمة الانتخابية، فخسر بلديات الحواضر الكبرى من اسطنبول الى أنقره في شهر واحد. 
 
اليوم، يبدو القائد الشعبوي محاصرا، متعبا ومحتارا. فلا هو الذي حقق الهيمنة التي يحلم بها، ولا حافظ على التعاون الدولي الذي حققه. وبلاده مهددة في أي لحظة بانهيار اقتصادي تاريخي، بعد تخفيض تقييمها الائتماني الدولي وارتفاع معدل الفائدة وتراكم الديون الخارجية وانخفاض احتياطات العملة الصعبة وانهيار الليرة الى مستوى غير مسبوق وارتفاع البطالة الى معدل مخيف (30%) وزاد الوضع سوءاً تداعيات جائحة كورونا التي أوقفت السياحة وجففت الموارد وعطلت عجلة الانتاج. 
 
التصريحات التصالحية المتناقضة مع مصر وفرنسا واليونان لن تكفي لتخرج تركيا من مأزقها، فالقطار لا يغير اتجاهه بهذه السهولة. فالمطلوب وقفة كاملة، ومراجعة شاملة، واستراتيجية جديدة معلنة، وموثقة، ومطبقة. وعلى الإدارة الحالية أن تعيد تشكيل نفسها، وأن تدعو الى انتخابات مبكرة، وأن تخوضها بحسب برنامجها الجديد. 
 
هل هذا ممكن؟ أتمنى ذلك، فتركيا دولة محورية كبرى في المنطقة، وكسبها خير الف مرة من معاداتها. ولكني لست متفائلا في أن إدارة تتغذى بأحلام وأوهام امبريالية وعرقية وايدولوجية غير عقلانية يمكن أن تغير نفسها بنفسها. والأمل في أن تفرز الانتخابات المقبلة، مبكرة كانت ام اعتيادية، حكومة علمانية عقلانية راشدة، تضع شعبها على رأس قائمة الاولويات، وتستعيد جيوشها ومواردها الى حدود بلادها، وتستعيد دورها كجار صالح، ومواطن عالمي منتج ومتعاون ومسالم. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم