إعلان

حول التّجاهل والإنكار

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
رشيدة طليب
رشيدة طليب
A+ A-
منتظرو البيان الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية لحركة "فتح" لم يحصلوا على الدخان الأبيض، لم يحصلوا على شيء تقريباً خارج البلاغة الروتينية التي حفل بها النص، وأضافوه الى بيان مجلس وزراء اشتية الذي سبقه بساعات، البيان المذكور الذي جاء في ذروة حملة ملاحقة الأجهزة الأمنية المحتجين وقمعهم على وقع انهيار مدونة الحريات الفلسطينية، ومحاولات تعويم ملف اغتيال الناشط نزار بنات، تحدث بإسهاب عن "الحوار الوطني" وأحال "التعديل الوزاري" الى الرئيس نفسه، بيان كان يمكن أن يحدث في سبعينات أو ثمانينات القرن الماضي، بيان لبلاد لا تشكو من شيء، مضى الى الإعلام الرسمي بهدوء كمن يلقي محفوظة مدرسية بصوت مدير المدرسة، لم يتطرق الى ما يجري على بعد مئات الأمتار من قاعة الاجتماع، بحيث لو أنصت المجتمعون لوصلتهم أصوات المحتجين وصفارات سيارات الأمن التي تنقل المعتقلين الى "مخفر البالوع"، بقليل من التركيز كان سيصل صراخ ضابط الأمن على زوجة خضر عدنان المعتقل الذي خاض إضرابين عن الطعام في الأسر الإداري للاحتلال، وشرع في إضراب ثالث في سجون السلطة، قبل أن يصدر قرار بإطلاق سراحه وبقية المعتقلين السياسيين في الموجة الأخيرة.
 
ما لم يسمعه المجتمعون في "المقاطعة" سمعه المعنيون في الاتحاد الأوروبي، الذي أصدر بياناً حول حملة الاعتقالات الأخيرة والتسويف في محاكمة المسؤولين عن قتل نزار بنات، وهو بيان واضح ومباشر صدر، بحسب ممثل الاتحاد الأوروبي، بالاتفاق مع رؤساء بعثات دول الاتحاد في القدس ورام الله، وبتأييد بعثات النرويج وسويسرا والمملكة المتحدة. ما لم يسمعه المجتمعون في رام الله وصل الى منظمة العفو الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان. كما وصل بقوة الى النشطاء والمتضامنين الأجانب، سواء أولئك الذين يشاركون على الأرض في المواجهات مع المستوطنين في جبل أبو صبيح في الشمال أو الشيخ جراح وسلوان في القدس  وبقية النقاط الساخنة في الضفة الغربية، أم الذين يقودون حملات الضغط والمقاطعة النشطة ضد الاحتلال وعنصريته، ويلوحون بالأعلام الفلسطينية في شوارع أوروبا والعالم. وسمعه الفلسطينيون في الشتات أيضاً، رشيدة طليب، مثلاً، عضو الكونغرس الأميركي المتابعة الحيوية التي وجهت خطابها الى الرئيس محمود عباس، من دون المرور على المتحدثين باسمه وحوله، وهو الصامت أكثر مما ينبغي في الفترة الأخيرة، كتبت رشيدة طليب على موقعها في "تويتر": "عزيزي الرئيس محمود عباس، ليس هكذا تحمي وتخدم الشعب الفلسطيني"، يبدو هذا قاسياً حقاً، ولكنه سيبدو أكثر قسوة حين يصدر عن نائبة أميركية من أصل فلسطيني تتمسك بجذورها الفلسطينية وتدافع عن الحقوق الفلسطينية في غرفة المشرعين الأميركيين نفسها حيث تعيش وتتنفس "أيباك"، ولدت أمها في قرية "بيت عور التحتا" قرب رام الله، وولد أبوها في "بيت حنينا" في القدس، ولكنه يشبه على نحو واضح رشيدة طليب التي شكلت لسنوات صداعاً حقيقياً لترامب وإدارته الى جانب إلهان عمر وأليكساندرا أوكاسيو كورتيز.
 
المحتجون الفلسطينيون عادوا الى دوار المنارة وسط رام الله مساء الأربعاء الماضي، بمن فيهم المفرج عنهم، وهو ما حاول تصريح أمين سر اللجنة المركزية لفتح جبريل الرجوب التطرق له، فيما يشبه اقتراحاً بالتهدئة، عندما طالبهم بتجنب الإساءات وكيل الشتائم والتخوين، ومن دون أن يعترض على توجههم السلمي في التظاهر والاحتجاج، ومن دون أن يزج الكليشهات المتداولة حول المؤامرة والأجندات الخارجية.
 
ربما، بشيء من حسن النية، يمكن احتساب تصريح الرجوب ملحقاً توضيحياً لبيان اللجنة المركزية للحركة، أو هامشاً على المتن الغريب المغرق في حياديته وإنكاره، ولكنه، التصريح، بحاجة الى قوة لتحريكه وتدريبه على الانتقال من وجهة نظر شخصية الى مبادرة قادرة على السير في فوضى المواجهة القائمة، بحاجة الى قدمين وذراعين وفم.

 

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم