إعلان

إلى من يستهويهم صراع القوّة

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
 تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
 
قد تكون شخصاً تستهويه القوّة بمعنى الـ Power. وقد تلعبُ لعبتَها مع زميلٍ في العمل، أو فردٍ في العائلة، أو حبيبٍ، أو حبيبٍ لم تقتنع بعد بأنّه تركَكَ. صحيحٌ أنّ لُعبة القوّة أي الـ Power Game تُعطيكَ متعةً من جهة، لكنّها قد تستنفد أعصابكَ من جهة ثانية. أنتَ لا تستطيع أن تهجرَ لعبة القوّة بسهولة، لكنّك في كل ّمرّةٍ تلجأُ إليها تُشعِرُكَ بشيءٍ من الندم إذْ إنّها تُضنيك.
 
الذين تستهويهم لعبة القوّة هُم بحاجةٍ نفسيّة إلى انتصاراتٍ متتالية في حياتهم، أو في الحدّ الأدنى إلى قتالٍ ولو على شكلِ تراشقِ نيرانٍ خفيفة. الصراع يستنفرُهم، والتوتّر يحفّزُهم، والقتال يعطيهم معنىً لحياتهم اليوميّة. من دون الصراع، يشعرون بالملل، أو بالهزيمة، أو باللا معنى في دواخلهم.
 
في البيتِ تشعرُ بأنّك بحاجة إلى أن تكون كلمتكَ وحدَها هي المسموعة مع زوجتكَ والأولاد. وفي مكان العمل، قد تكون مديراً لدائرةٍ وتُريد أن تُشعر مدير المؤسّسة بأنّه لا يمكن الاستغناء عنك، أو أن تُشعر مديراً آخر أنّكَ "موجودٌ على الساحة" ولا يمكن تجاهلَك.
 
في العالم الأكاديمي الجامعي هناك عبارة جميلة جدّاً تُستعمل لوصف لعبةِ القوّة وهي عبارة Pulling Ranks، أي أن تُشهر سلاح الرتبةِ على من هو أقلُّ رتبةً منك، وهذا ما قد يفعله الـ Full Professor مع الـ Associate Professor، وهذا مع الأدنى منه رتبةً أي الـ Assistant Professor، والأخير مع الـ Instructor. هناك تكون لعبة القوّة "كلاس" أكثر ممّا تكون عليه ربّما في البيت أو في مؤسّسات أخرى.
 
إذا كُنتَ من هواة لعبة القوّة، فأنتَ مُعرّضٌ لأن تكون غير منتبهٍ لخطورتها، وغير مدركٍ لأذيّتها عليك بالدرجة الأولى، كما أنّك قد تكون في حالةِ نكران لها. إذا حدّثكَ عنها أحدُهم أجبتَه على الفور: "أنا؟ أبداً ... مِشْ صحيح". النكران شقيق التهوّر، وفي مرّاتٍ كثيرة يكونان توأمين، فيحْضُران معاً.
 
لربّما هناك طريقٌ أفضل من لعبة القوّة لتحقيق الهدف من ورائها وهو طريق الاستماع، والتعاطف، والاعتراف أو الاعتذار، والتوصّل إلى حل؛ هي مفاتيح يمكن استخدامها لحل النزاعات بين أهل البيت والزملاء في العمل أو بين مسؤولٍ والموظّفين.
 
أمّا الذين يُصرّون على لعب لعبة القوّة، فهُم يتمشّون على حافّة الهاوية، يغامرون بعلاقةٍ تاريخيّة، أو إنسانٍ لا يتكرّر، أو وظيفةٍ فيها غِنىً مهني لافت، وفوق ذلك كلّه هُم يغامرون بسلام نفوسِهم عندما تصل الأمور إلى كارثة ردّات الفعل. في لحظة غضبٍ أو لحظةِ قرار، أو لحظةِ اختناقٍ غير محمودة، قد يقوم المارد الذي أمامك والذي ظنَنتَه فأراً لوقتٍ طويل، وطيّب القلبِ لا يقوى على طيّ صفحةٍ ولو كانت جميلة من حياته، فيفاجئُك ويُدهشُك بصفعةٍ على وجهِكَ لم تكن تتمنّاها أبداً ولن تنساها أبداً فتندمَ ولاتَ ساعةَ مندمِ.
 
لا تنتظر لحظة فقدان الآخر لصبرِه وطول أناتِه، اللحظة التي فيها "بْيِطلَعْ من تيابو"، ولا لحظة ضعفِه أمام ردّة فعلٍ لم يكن هو نفسه يتمنّاها. ولا تراهن على طيبته أكثر ممّا تتحمّل أعصابه وعزّة نفسه. لا تراهن على أنّ زوجتكَ لن تتركَك، أو أن زوجكِ سيتحمّل هذا الاستفزاز والتوتّر الدائمَين "بَسْ لأنّو آدمي"، أو فقط لأنّه يُدرك أنّ أعصابكِ تعبانة. لا تراهن في مكان العمل على مقولة You Are Indispensable، فليس من أحدٍ لا يُستغنى عنه بدءاً من ربِّ العمل ونزولاً في التراتبيّة الإداريّة. كلُّ واحدٍ منّا يمكن استبداله في وقت لعبة القوّة والاستفزاز والإصرار على الشراسة. حجمُ الخسارة يكون عندها كبيراً. أيّ مكسبٍ كُنتَ ترجوه من لعبة القوّة "ما كانْ بيحْرِز" هذه الخسارة، وأيّ شعورٍ بالندم ساعتها لا يُفيد.
 
مغرومو لعبة القوّة لهم قواسم مشتركة هي العناد والاستفزاز والنكران والخفّة. إريك ماريّا ريمارك، كاتب سيناريو وروائي مسرحي من ألمانيا عاش في القرن الماضي كتب مرّةً: "الذكريات غالبا ما تحمل بين طيّاتها الندم: الندم من عدم الاحتفاظ بالأشياء الجيّدة وإباحتها، والندم على عدم القدرة على تصحيح الأخطاء". عِشقُكَ للعب لعبة القوّة يوصلك إلى هناك.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم