إعلان

اضطهاد البهائيّين.. إرث الكراهيّة في إيران!

المصدر: النهار العربي
يوسف بدر
يوسف بدر
شعارات تكفر البهائية
شعارات تكفر البهائية
A+ A-
يعود ظهور الديانة البهائية في إيران إلى ديانة أخرى سبقتها، وهي "البابية"، التي نادى بتعاليمها السيد علي محمد الشيرازي الملقب بـ"بالباب". وقد تأسست أفكاره وعقائده على مبدأ "المهدوية" أي عقيدة المهدي المنتظر لدى الشيعة الاثني عشرية، إذ كان يدّعي أنه الباب لـ"من يُظهره الله". وبعدما أعدمته سلطة الدولة القاجارية سنة 1850، ادّعى 25 رجلاً من أتباعها أنه الموعود الذي بشرت به البابية، وكان من هؤلاء ميرزا حسين علي نوري مؤسس الديانة "البهائية".

وتعرض البهائيون للاضطهاد منذ بداية ظهورهم في إيران. وقد تعاظمت الكراهية تجاههم منذ أن هيمن رجال الدين على السلطة في إيران بعد ثورة 1979. وتم إعدام العشرات واعتقال المئات منهم؛ لدرجة أن تقارير حقوق الإنسان الدولية الخاصة بالوضع في إيران تكاد لا تخلو من اسم البهائيين. وهو ما يثير التساؤل: لماذا كل هذا التاريخ من الكراهية تجاه البهائية والخوف منها في إيران؟

الموقف الرسمي
لا تعترف السلطات الإيرانية بالبهائيين كأقلية؛ إذ لا تعترف بديانتهم أساساً، وتسميهم بالفرقة الضالة. وعلى ذلك، لا "خانة" باسم ديانتهم في استمارة طلب بطاقة الهوية؛ فلا اعتراف بوجودهم. وهو ما يصعب عملية إحصائهم في إيران. وتشير تقديرات التقارير الإيرانية إلى أن تعدادهم ما بين 25 و40 ألف نسمة؛ بينما يشير تقرير "بيت العدل البهائي"، ومقره حيفا، الى أن تعدادهم ما بين 300 و350 ألف نسمة في إيران.

وبحسب موقع "وثائق اضطهاد البهائيين في إيران"، يتبع النظام الإيراني سياسة اضطهاد منظمة لإجبار البهائيين على الهجرة أو ترك ديانتهم؛ وذلك من خلال وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والتعليمية والمنابر الدينية؛ وهو ما أدى إلى تفشي خطاب الكراهية في إيران تجاه البهائيين، لدرجة تهديد أرواحهم من جانب المتشددين، وتشويه صورتهم في أذهان المجتمع الإيراني، حتى وصلت مظاهر الاضطهاد إلى صور ملموسة بالتهديد بالقتل والاعتداء على أملاكهم ومقابرهم. 

لم يأت المهدي بعد!
تستند سلطة رجال الدين في إيران الى مبدأ "ولاية الفقيه"، أي أن الفقيه يحل محل الإمام الغائب (الذي يتمتع بالعدل والعصمة) في إدارة بعض الأمور الشرعية لتسيير حياة الناس. وهذا المبدأ الذي يمتد إلى عهد الدولة البويهية في القرنين الرابع والخامس الهجري؛ مكّن رجال الدين من الهيمنة على المجتمع وفرض سلطتهم عليه. 

وفي العهد القاجاري، كان فقهاء تيار المدرسة "الشيخية" يبشرون باقتراب ظهور الإمام المهدي الغائب؛ بسبب انقضاء ألف سنة على غيبته؛ ومن ثم على أساس هذه البشرى؛ ظهر "الباب"؛ بينما رفض الفقهاء دعوته؛ لأن هذا الأمر يهدد نفوذهم داخل المجتمع الإيراني. وكذلك الأمر بالنسبة الى البهائية؛ فالاعتراف بعقيدتهم؛ يعني فتح باب التشكيك في استمرار "غيبة الإمام المهدي"، ويهدد سلطة رجال الدين، بخاصة أنه لا سلطة لرجال الدين في النظام البهائي. ولذلك، يضع الفقهاء الشيعة في إيران مسألة "المهدوية" في مركز الخطاب والدعوة الدينية؛ لأنها السبيل للحفاظ على مذهبهم ومكانتهم التي اكتسبوها من غيبة الإمام الثاني عشر المهدي. 

إرث الشاه
واحد من التفاسير المنطقية لهذا التاريخ من الكراهية الرسمية تجاه البهائيين؛ هو الكراهية تجاه عهد الدولة البهلوية التي سبقت حكم "الملالي" في إيران؛ إذ إن ملوك هذه الدولة، كانوا قد سعوا إلى نقل تجربة "علمانية" الزعيم التركي كمال أتاتورك إلى إيران. وقد عمدوا إلى التخلص من سلطة رجال الدين على المجتمع لإنجاح هذه التجربة. ووجدوا في البهائيين ضالتهم؛ فهم يتقبلون الإصلاحات المدنية ولا يهتمون بالأحزاب والأفكار السياسية. وهو ما شجع ملوك الدولة البهلوية (رضا ومحمد شاه) على الاستفادة منهم في المناصب الإدارية المهمة، بخاصة أن هذه الدولة كانت لديها مخاوف مستمرة من اليساريين والشيوعيين، وكذلك من اليمينيين المتشددين.  
وهذا الأمر هو ما ربط مصير البهائيين بمصير الشاه؛ إذ يعتبرهم "الملالي" من بقايا العصر الذي يلعنونه على منابرهم. حتى أن رجال الدين كانوا قد أشاعوا بين الإيرانيين أن الشاه كان بهائياً وأسرته، ما يعني أنه كان قد خرج عن ملّتهم ويجب الثورة عليه. 

كذلك، يبرر رجال الدين في إيران الحالية معاداتهم للبهائيين على أساس نظرية المؤامرة؛ فبسبب ارتباط تاريخ نشأة البهائية مع الحركة الاستعمارية؛ فقد اتهموا أتباعها بالعمالة لمصلحة الاستعمار الإنكليزي، وأن حركتهم كانت تهدف للقضاء على الدين الإسلامي الذي يحضّ على الجهاد ضد الاستعمار.

أيضاً، بسبب وجود "بيت العدل البهائي" في حيفا الفلسطينية، وهو أعلى هيئة إدارية للبهائيين في العالم؛ كثيراً ما يتّهم النظام في إيران البهائيين بالعمل والتجسس لمصلحة إسرائيل.

الأديان الجديدة
تهتم الأجيال الجديدة بمعرفة الأديان الجديدة واعتناقها، وبالنسبة الى مجتمع إيران المحافظ الذي يسيطر عليه رجال الدين الشيعة، فهناك حالة من النفور والغضب والرفض تنتاب الشباب تجاه السلطة الحاكمة المتمثلة في رجال الدين، ويمتد هذا الرفض إلى الدين الإسلامي في صورته الشيعية؛ وهو ما يدفعهم إلى الإلحاد أو البحث عن عقيدة أخرى تلبّي احتياجاتهم وتطلعاتهم؛ بعدما يئسوا من تغيير أوضاعهم من خلال السلطة التي على رأسها الولي الفقيه. 

ولذلك، تعتبر البهائية واحدة من الأديان الجديدة التي تستهوي الجيل الجديد في إيران؛ فهي تدعو إلى تجاوز الصراعات الأيديولوجية والسياسية وتشدد على مبدأ وحدة البشرية والأديان. كما أنها تحترم القيم المدنية وتنفي الصراع مع العلم، وترفض السلطة الدينية، وترسخ مبدأ المساوة بين الرجل والمرأة، وتدعو إلى تأسيس مجتمع المحبة والسلام العالمي. وهذه المفاهيم تجذب الشباب الذي يعاني من سطوة رجال الدين. وبالتالي، تعد البهائية وانتشارها تهديداً مباشراً للنظام الحاكم الذي يستمد قوته من نفوذ رجال الدين داخل المجتمع الإيراني وسلطتهم عليه.

المحصّلة
إن دوافع الكراهية تجاه البهائيين في إيران، يقف وراءها النظام الحاكم؛ وذلك لأسباب تتعلق بالثأر التاريخي من عهد الشاه؛ ويبرر سلوكه هذا، بالحديث عن دور البهائيين في الجاسوسية والصهيونية والمؤامرة ضد إيران.

إن النظام الحاكم في إيران يقلق من انتشار البهائية بالشكل الذي يهدد سلطة رجل الدين، بخاصة أن البهائيين استطاعوا فعل ذلك قي العهد البهلوي، وصاروا من صناع القرار فيه.

إن الأجيال الجديدة في إيران في علاقة "جدلية" ضدية مع النظام الحاكم؛ ومن ثم، فالبهائية مرشحة للقبول والاعتناق لدى هذه الأجيال التي ترفض تسلط رجال الدين الشيعة على المجتمع وشلّهم حركته؛ فهي تتطلع نحو المجتمع الحر والمنفتح.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم