إعلان

السعودية ونتائج "نيابيات" لبنان: من "حماسة" بخاري إلى "ترقّب" ابن فرحان

المصدر: النهار العربي
فارس خشان
فارس خشان
شرطي يقف حراسة بعد إزالة أجزاء من الحاجز الخرساني الذي أقامته قوات الأمن عام 2020 لمنع الوصول إلى مبنى البرلمان اللبناني (أ ف ب)
شرطي يقف حراسة بعد إزالة أجزاء من الحاجز الخرساني الذي أقامته قوات الأمن عام 2020 لمنع الوصول إلى مبنى البرلمان اللبناني (أ ف ب)
A+ A-
سجّلت المملكة العربية السعودية موقفين من نتائج الانتخابات النيابية في لبنان. 
 
الموقف الأوّل، أطلقه السفير السعودي وليد البخاري من بيروت، وجاء فيه الآتي:" نزف للمفتي حسن خالد نتائج الانتخابات المشرفة وسقوط كلّ رموز الغدر والخيانة وصناعة الموت والكراهية".
 
أمّا الموقف الثاني، فسجّله وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، من دافوس السويسرية، غداة موقف بخاري، وجاء فيه:" انتخابات لبنان قد تكون خطوة إيجابية، لكن من السابق لأوانه قول ذلك".
 
وإذا كان هذان الموقفان يتقاطعان عند "الإيجابية المحتملة"، إلّا أنّهما يفترقان بين "أدبيات" سفير "متحمّس" ووزير "مترقّب".
 
ويبدو أنّ موقف الوزير السعودي أكثر إلتصاقاً بالواقع اللبناني من موقف السفير السعودي، إذ إنّ ابن فرحان يُفضّل أن يربط بين نتائج صناديق الإقتراع وترجماتها في الحياة السياسية اللبنانية، في حين أنّ السفير البخاري، يفصل بين نتائج الانتخابات وما سوف تُثمره من معطيات سياسية في البلاد، متأثّراً إلى حدّ بعيد بأدبيات القوى التي عمل في "ربع الساعة الأخيرة" من المعركة الانتخابية على دعمها ومؤازرتها، في محاولة للتعويض عن تداعيات مقاطعة "تيّار المستقبل"، على امتداد الإنتشار السنّي في لبنان.
 
بمعنى آخر، إنّ السفير السعودي في لبنان يريد تسجيل انتصار قد يحمل في طيّاته، بالإضافة إلى "الرسائل السياسية"، أبعاداً شخصية، في حين أنّ وزير الخارجية السعودية اختار أن يبقى في موقع دبلوماسي "صاف"، حيث تفرض العقلانية عدم استعجال خلاصات لها أبعاد "رسمية" يمكن أن يستغلّها شركاء السعودية، كفرنسا مثلاً، من أجل تسويق تصوّر معيّن لحلّ ما في لبنان.
 
وموقف الوزير ابن فرحان "الحذر والهادئ والمترقّب" يؤسّس نفسه على مخاوف سياسية حقيقية، إنطلاقاً من تحليل معمّق لنتائج الانتخابات النيابية.
 
وفي واقع الحال، فإنّ مسارعة "القوى المناوئة للهمينة الإيرانية على لبنان" إلى رفع علامة الإنتصار يشوبها الكثير من "التهوّر" الذي يمكن أن ينقلب، في لحظة واحدة، إلى إحباط كبير.
 
وتُظهر المعطيات الموضوعية أنّ نتائج الانتخابات النيابية حققت لهذه القوى ثلاثة انتصارات:
 
١-منع الإئتلاف الذي شكّله "حزب الله" من الحصول على أغلبية ثلثي عدد النوّاب، كما كان يشتهي.
 
٢-نزع الأكثرية النيابية من هذا الإئتلاف وزيادة عدد النوّاب المناوئين، الأمر الذي شكّل له نكسة لم يكن يتوقّعها أبداً.
 
٣-دخول كتلة وازنة من ممثّلي القوى التغييرية الى المجلس النيابي، على حساب الشخصيات السياسية التابعة لهذا الإئتلاف.
 
وتكمن في هذه الإنتصارات الثلاثة "الإيجابية المحتملة" التي تقاطع عندها موقفا السفير البخاري فالوزير ابن فرحان.
 
لكنّ هذه الانتصارات على أهميتها لم تُدخل تغييرات جذرية على صناعة القرار الوطني، لأنّ الانتكاسات الثلاث التي اصابت ائتلاف "حزب الله"، لم تُلحق به هزيمة حقيقية، للأسباب الآتية:
 
١-أحكم هذا الإئتلاف سيطرته الكاملة على التمثيل النيابي لدى الطائفة الشيعية، الأمر الذي يجعله رقماً صعباً في توجيه الإستحقاقات الدستورية المقبلة، طالما انّ المعادلات التي تتحكم بلبنان لم تتغيّر، فمن ينازع ليكسب لقب "المسيحي الأقوى" لا يملك شرعية النيل ممّن هو، من دون منازع، "الشيعي الأقوى".
 
٢-خسر ائتلاف "حزب الله" الأكثريّة، لكنّه لم يخسر أكثرية مهمة جداً لا تفعل فعلها في التشريع فحسب بل في انتخاب رئيس الجمهورية، أيضاً.
وهذه الأكثرية التي احتفظ بها هذا الائتلاف يسمّيها الدستوريون "الأغلبية النسبية"، أي التي تغلب العدد المناوئ من دون قيد "السقوف المحدّدة مسبقاً"، فاذا نال مشروع طرحه إئتلاف "حزب الله" خمسين صوتاً في مقابل 48 صوتاً ضده وسط امتناع ثلاثين عن التصويت، يجري إقراره.
 
٣- إنّ القوى التي انتزعت الاكثرية من ائتلاف "حزب الله" لا تتمتّع، حتى تاريخه، بأيّ صفة من صفات الأكثرية، فحزب "القوات اللبنانية"، مثلاً على الرغم من أنّه انتصر في الانتخابات، إلّا أنّه يبقى عاجزاً عن تثمير انتصاره في تكوين أيّ اكثرية، فهو ليس على تفاهم حتى مع أكثر الناس شبهاً به، اي "حزب الكتائب اللبنانية" و"حركة الاستقلال" وكثير من الشخصيات المستقلة والتغييرية، في حين أنّ "حزب الله" قادر على استنفار ائتلافه، عندما يتّخذ قراره في أيّ شيء يعنيه، ف"حركة أمل" هنا و"التيار الوطني الحر" هناك والتكتلات الصغرى هنالك، توفّر له "الأكثرية النسبية".
 
٤-وبهذا المعنى، وبغض النظر عن "الأقوى مسيحياً" في عدد النوّاب وكميّة الأصوات، فإنّ "التيار الوطني الحر" أقوى سياسياً من "القوات اللبنانية"، فهو لديه بالنتيجة حليف اسمه "حزب الله" يمكنه ان يُسخّر له، في إطار تبادل الخدمات، الغالبية النسبية، في حين يفتقد حزب "القوات اللبنانية" إلى ذلك.
 
وهذه الغالبية هي بيت القصيد في انتخابات رئيس مجلس النواب ومنح الثقة للحكومة وهي التي يُمكن "التلاعب بها" في انتخاب رئيس الجمهورية، في حال نقص عدد النوّاب الحاضرين، فالأغلبية المطلقة لثلثي عدد النواب هي خمسة وأربعون نائباً فقط، وتالياً إذا غاب عن جلسة انتخاب رئيس الجمهورية عشرة نوّاب تصبح الأكثرية المطلقة 59 نائباً.
 
وبناء على كلّ ذلك، فإنّ موقف وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان الذي ينتهج سلوكاً "حذراً" هو الأقرب الى الواقع من موقف السفير السعودي وليد بخاري "المتحمّس"، لأنّ الرياض، بالنتيجة، لا تعنيها تفاصيل العملية الانتخابية بل انعكاساتها الوطنية، إذ سبق أن حدّدت مطالبها من لبنان، سواء في "إعلان جدّة" الذي أطلقه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان أو في "الورقة الخليجية" التي كانت قد سلّمتها الكويت للمسؤولين اللبنانيين، حيث يبرز واضحاً مطلب تطبيق القرارين 1559 و1680 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي. 
 
إنّ الواقع اللبناني، يُلزم "القوى المناوئة للهمينة الإيرانية على لبنان"، وقبل أن ترفع رايات النصر، أن تتعاطى مع نتائج الانتخابات النيابية، كما لو كانت إحتفالاً بوضع حجر أساس لورشة ضخمة وليست "تدشيناً" لمشروع قد أصبح جاهزاً.
 
وبهذا المعنى، فإنّ الهدف الذي تُبنى عليه "الإيجابية المحتملة" يتمثّل في أن تشكّل "القوى المناوئة لهيمنة إيران" "أقلية معطِّلة" إذا كانت عاجزة عن تكوين "أكثرية نسبية" مقرِّرة، لأنّه، بهذا الإجراء، يمكنها أن تقف في وجه التوجّهات التي يوفّر لها "حزب الله" العدّة اللازمة.
 
ولا بدّ من أن تُبقي هذه القوى الحالة الشعبية مستنفرة، لأنّ الخطط التي قد يُعطّلها النوّاب يمكن أن ينفّذها إئتلاف "حزب الله"، في لحظة استنفار، بموجب "الأمر الواقع"، كإبقاء رئيس الجمهورية ميشال عون في قصر بعبدا، بعد انتهاء ولايته الرئاسية في الحادي والثلاثين من تشرين الأوّل (أكتوبر) المقبل.
 
ولا يمكن الركون إلى تأكيد عون أنّه لن يبقى في القصر الجمهوري بعد انتهاء ولايته، عملاً بأحكام الدستور، إذ إنّ التجارب البعيدة والقريبة، تؤكّد بما لا يقبل أدنى شك، أنّ مواقف عون هي مواقف "اورويلية".
 
والمواقف "الأورويلية"، هي المواقف التي ينقلب صاحبها عليها ويسير بما يناقضها تماماً، وذلك بالإستناد الى مسرحية "مزرعة الحيوانات" ورواية "1984" للكاتب البريطاني جورج أورويل.
 
والأهم من ذلك، أن تضع هذه القوى خطة صمود معيشية، يتم التسويق الفاعل لها إقليمياً ودولياً، من أجل أن لا يدفع اللبنانيون أثماناً باهظة لقاء "النفس الطويل" الذي يتطلّبه التصدّي، إذ إنّه لا يمكن استدعاء الجائع الى منازلات سياسية بأبعاد إقليمية.
 
بالإستناد إلى هذه المعطيات، يمكن للمستقبل القريب أن يحكم لمصلحة "حماسة" السفير وليد البخاري أو ل"ترقّب" الوزير فيصل بن فرحان.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم