إعلان

العراق ينجو من مصيدة "تجريم التّطبيع" الإيرانيّة

المصدر: النهار العربي
محمد السلطاني
لافتة وسط بغداد ترفض التطبيع
لافتة وسط بغداد ترفض التطبيع
A+ A-
في اللحظات ما قبل الأخيرة، تدخّل المشرّعون العراقيون وأبطلوا محاولة إيرانية خطيرة، قادتها الأذرع السياسية للفصائل الحشدية، كانت تستهدف تعميق عزل العراق عن العالم عبر إصدار قانون يطرد كبريات الشركات العالمية ورجال الأعمال والمستثمرين من العراق بذريعة "نصرة فلسطين". 

طرد العالم من العراق
كُتِبت مواد قانون "تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني" في نسختها الأولى، كما لو أن حاكماً إيرانياً فقد السيطرة على رغبته في ابتلاع العراق، قد أوتيَ دواةً وكتف، وقيل له اكتب أحلامك وتصوراتك عن "العراق المثالي" الذي تريده، فكتب فرماناً ولائياً يقول فيه "تُطرَد الشركات الأجنبية والمستثمرون الأجانب العاملون في العراق إذا قاموا بأي فعل يحقق الأغراض الصهيونية، أو أقاموا أي علاقة مع الكيان الصهيوني، دبلوماسية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو عسكرية أو أي علاقات أخرى، بما فيها السفر من أراضي الكيان الصهيوني وإليها". 
 
وتولّت اللجنة القانونية في البرلمان كتابة مسودة القانون الأولى، وتضم اللجنة بين أعضائها زعيم فصيل "جند الإمام" والناطق السابق باسم هيئة الحشد الشعبي أحمد الأسدي، وشخصيات أخرى على صلة بإيران، لعبت على الأرجح دوراً في محاولة فاشلة لتحويل قانون يستهدف تجريم تطبيع العراق مع إسرائيل، إلى قنبلة تفجّر مساعي العراق المُضنية في العودة إلى قائمة وجهات الاستثمار.

خبراء عراقيّون في مواجهة الحلم الإيراني
لكن المشرّعين العراقيين في اللجنة - وبينهم نواب مستقلون ومن حركات تغييرية، مثل محمد عنوز ومحمد جاسم الخفاجي وأوميد محمد - أعادوا تصويب القانون نحو أهدافه.
 
وافترضت القوى الموالية لإيران في اللجنة، أنها أمام فرصة لحشر ما يحلو لها في القانون، من دون أن يتمكن أحد من الاعتراض والمغامرة بتعريض نفسه لهجمات الجيوش الإعلامية الإيرانية في العراق، لكن مجموعة خبراء ونواب وإعلاميين خاضوا حملة مكثفة للتنقيب خلف دوافع زج المواد المُغرِضة، واستمرت النقاشات في اللجنة القانونية والتعديل على المواد حتى الثانية من مساء الخميس، رغم أن موعد الجلسة كان في الحادية عشرة صباحاً. 
 
إنه الحلم الإيراني الاستراتيجي، بإبقاء العراق، ومناطق السكان الشيعة على وجه الخصوص، خارج التاريخ والجغرافيا، وداخل وصاية أبدية، اقتصادية وسياسية واجتماعية ودينية، ممتدة إلى "آخر الزمان". 
 
وتقوم وجهة النظر الإيرانية على أن انفتاح العالم واستثماره مع "الشيعة" يجب أن يمر حصرياً عبر إيران، وأن أي دولار غربي مُحتَمل، ينبغي أن يُستثمر في طهران لا في بغداد ولا البصرة أو النجف أو الموصل. أما العراقيون "الصالحون" فإن دورهم هو تكرار العبارة الشهيرة لزعيم "تحالف الفتح" هادي العامري: "نحن مع الإمام الخميني.. إن قال حرباً فحرب.. وإن قال سلماً فسلم".
 
وتحاول طهران بكل وسائلها، الانفتاح على العالم، وإقامة شراكات كبرى مع الدول الخليجية، لكنها تحث أتباعها في العراق على قصف السفارات وتحرير القدس، وطرد الشركات العالمية ليحصلوا على براءة ذمّة وشهادة حسن تشيّع من الوصي الفقيه. 

تطبيقات النّسخة الإيرانيّة من القانون
ولم تسلم النسخة الحالية من الانتقادات، حيث عارض قانونيون بشدة، تساهل القانون في تكرار عقوبة الإعدام، على عكس النسخة التونسية من قانون تجريم التطبيع، التي تفرض عقوبات بالسجن والغرامات المالية الكبيرة. 
 
كما احتوى القانون مواد عديدة بعبارات مطاطية، وهو ما أثار انتقادات أوساط الصحافيين الذين حذروا من استخدام القانون لتصفية حسابات سياسية، بخاصة أن القانون لا يوضح قطعاً، بين الترويج لإسرائيل، ومناقشة شؤون المنطقة، ومن بينها الشأن الفلسطيني – الإسرائيلي، وهو ما سيُمكن الاعتراض عليه أمام المحكمة الاتحادية لضبط تفسيراته ومنع استخدام القانون على غرار قانون مكافحة الإرهاب، الذي كثيراً ما استُخدِم للتغييب والاعتقال. 
 
لكن البرلمان العراقي تمكّن من إلغاء شمول القانون للمستثمرين والشركات الأجنبية، كما شطب مواد بأكملها، على رأسها مادة "طرد الشركات" التي كانت تهدد مصير مؤسسات كبرى يعوّل عليها العراق، مثل "سيمنز" الألمانية للكهرباء، التي تشارك في إنشاء شبكة مترو تل أبيب، ومجموعة موانئ شنغهاي العالمية SIPG، وقائمة شركاتها الكبرى، التي استثمرت إدارة وتشغيل ميناء حيفا الإسرائيلي، وشركة China Harbour الصينية التي تتولى تنفيذ تطوير مينار "أشدود" الجنوبي في إسرائيل، إلى جانب مئات الشركات التي يصنفها مركز "مَن يربح من الاحتلال" وجهات أخرى مماثلة، باعتبارها شركات متعاملة مع إسرائيل، مثل " موسكو متروستروي" التي تنفذ جزءاً من خط قطار سريع من تل أبيب إلى القدس، وعملاقة السفن، شركة "هيونداي للصناعات الثقيلة" والتي تنتشر فروعها في مدن عراقية عديدة، وحتى شركة "ألستوم" الفرنسية، التي وقعت مع العراق عقد إنشاء "ميترو بغداد"، والتي تعمل أيضاً في إسرائيل منذ 25 عاماً.

حفلة صدريّة بخسائر محدودة
ولم يكن سراً، أن أصل فكرة طرح القانون في هذا التوقيت، إنما تتعلق برغبة زعيم التيار الصدري في نفي التُهم التي يكيلها الإعلام الإيراني في العراق ضد الصدر وحلفائه، فالتطبيع مُجرّم بالفعل في قانون العقوبات، وفي العُرف العراقي المجتمعي.
 
وتكرر طهران منذ عقدين الطريقة ذاتها في استفزاز الشخصيات والحركات العراقية، ودفعها لفعل "المطلوب"، وممارسة الوصاية والعُلوية، وذلك عبر شنّ حملات اتهامات، يضطر فيها الكيان أو الشخصية العراقية إلى المبالغة في نفي التهمة، كما فعل الصدر ذاته، حينما هاجم المتظاهرين في شباط (فبراير) 2020 فجأة، استجابةً لاتهامات إيرانية، وفي مواطن أخرى.
 
ويمكن القول إن القانون بصيغته الحالية، وفّر للصدر ما يحتاجه، ومكّنه من فعل شيء ما بعد 6 أشهر من التعثر والإحباط، وقد أفلتت البلاد بأقل الخسائر، وعلى غير ما اشتهت الفصائل الإيرانية، التي اكتفى زعماؤها بتقبّل الأمر الواقع وتجرّع النسخة المعدلة، وإصدار بيانات تهنئة خائبة. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم