إعلان

جولة غزة الأخيرة: "الحدوتة" المصرية!

المصدر: النهار العربي
 محمد قواص
محمد قواص
من الحرب على غزة
من الحرب على غزة
A+ A-
تصوّب منابر القاهرة الرسمية وشبه الرسمية الروايات المتعددة التي تقدمت بفتاويها في تفسير "التحول" اللافت في السياسة المصرية حيال الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. يحرص الخطاب الرسمي على نفي أي تغير جديد، ووضع الأمر في إطار الاستمرار في انتهاج السياسة التقليدية والتمسك بدور "الوسيط" بين فرقاء الصراع.
 
والواضح أن تهافت وجوه الفضائيات على "عقلنة" المبادرات المصرية ووضعها داخل صندوقها العتيق، هدفه (الموحى به) نفي أي انفلات في طباع القاهرة عما هو متعارف عليه منذ عقود.

غير أن تلك الغيرة على تهذيب السلوك المصري الذي ظهر أثناء جولة الحرب الأخيرة بين إسرائيل وقطاع غزة لا يمكنها مواراة تطور حقيقي في الأعراض والعلامات التي رُصدت بدقة وعناية، والتي لم تخرج بشكل عفوي ارتجالي، بل محسوبة بدقة في هندساتها وتوقيت ظهورها وانضباط مفاعيلها.

ظهر فرق شاسع بين أداء مصر في جولات الحرب السابقة في غزة وجولة الحرب الأخيرة. أدلى وزير الخارجية سامح شكري بموقف مدين لاعتداءات المستوطنين على المسجد الأقصى ولخطط إخلاء سكان حي الشيخ جراح في القدس، بما قد يُفسَّر بأنه "تفهم" لدوافع غزة للتدخل الصاروخي. 

بدا واضحاً أن مصر تتحرك من موقع الداعم الكامل للفلسطينيين. صدر عن شيخ الأزهر أحمد الطيب، كما في خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ما يفضح مزاجاً رسمياً أباح ما لم يكن مستحباً قبل ذلك.

أصدر الطيب بياناً بـ 15 لغة، بما فيها العبرية، دعا فيه "شعوب العالم وقادته الى مساندة الشعب الفلسطيني المسالم والمظلوم في قضيته المشروعة والعادلة من أجل استرداد حقه وأرضه ومقدساته"، مطالباً بحزم أن "أوقفوا القتل وادعموا صاحب الحق، وكفى الصمت والكيل بمكيالين إذا كنا نعمل حقّاً من أجل السلام".

أما اللافت فكان خطبة الشيخ هاشم، التي نقلها التلفزيون المصري، والتي اعتبرت "نارية"، ذكّرت بلهجة الخطاب المصري إبان المرحلة الناصرية. أشار الرجل إلى إنه "لا بد من قوة ردع إسلامية في بلاد الإسلام والعرب. كونوا صفاً واحداً، فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".

وأياً كانت اجتهادات التفسير ومرامي هذه اللهجة للاستهلاك الداخلي، فإن علامات وإشارات أخرى أكدت أن خريطة طريق مرسومة يوماً بعد آخر تؤكد أن القاهرة تقارب الأزمة وفق حسابات مصرية طموحة ومحسوبة. نقلت وسائل الإعلام المصرية صور صفوف طويلة من الشاحنات في الطريق نحو غزة ترفع لافتات كتب عليها "كل الدعم والمساندة من الشعب المصري للشعب الفلسطيني"، ناهيك بأن مصر فتحت معبر رفح مع قطاع غزة لاستقبال المصابين الذين خصصت لهم نحو 11 مستشفى توزعت على شمال سيناء والإسماعيلية والقاهرة.

سهرت مصر على تكثيف جهودها للوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. بيد أن الأمر لا ينحصر في جانبه التقني لتثبيت هدنة بين الفريقين، بل إن قرار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من باريس وإثر لقائه نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، تخصيص مبلغ 500 مليون دولار مساهمة لإعادة الإعمار سلّط مزيداً من الأضواء على الدور المصري الجديد داخل الملف الفلسطيني ومن بوابة غزة بالذات.

بات واضحاً أن العالم أجمع اعترف لمصر بدورها الذي يكاد يكون حصرياً في إعادة الهدوء إلى غزة. عرفت القاهرة كيف تستخدم هذا الملف لدفع الرئيس الأميركي جو بايدن والدبلوماسية الأميركية لضخ جرعات دفء في علاقات مصر والولايات المتحدة، والتي سرت فيها برودة وحرد منذ رحيل دونالد ترامب عن البيت الأبيض. يكفي ملاحظة أن الحدث يقف وراء الاتصال الأول الذي أجراه بايدن بالسيسي بعد مرور 4 أشهر على تبوئه سدة الرئاسة والذي ألحق باتصال ثانٍ بعد 4 أيام.

تتعامل القاهرة في السنوات الأخيرة مع قطاع غزة بصفته جزءاً من أمن مصر الاستراتيجي. تمكنت من "تدجين" حركة "حماس" ضمن ما يضمن أمن سيناء، واستنتجت أن تلك السياسة ساهمت بشكل عضوي في خفض حركة الإرهاب في تلك المنطقة. ظهر أيضاً تحول لدى "حماس" في العلاقة مع القاهرة بالإعلان عن نفيها (وبلسان إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي) أي ارتباط تنظيمي لها بجماعة الإخوان المسلمين. بدا أن "حماس" خضعت لضريبة الجغرافيا التي يفرضها وجود مصر على الحدود مع القطاع. وعلى هذا بدت القاهرة المكان الطبيعي الوحيد لرعاية الحوار الفلسطيني بين كل الفصائل وإنضاج المصالحة بين "فتح" و"حماس" وصولاً إلى قرار الاتفاق على تنظيم الانتخابات التي لم تجرَ.

والحال أن مصر، وكما هو حال مقاربتها لشؤون ليبيا، تتحرك في فلسطين عموماً وقطاع غزة بخاصة لحماية مصالحها الأمنية، وربما الاقتصادية السياسية المتعلقة بموقعها داخل سوق الطاقة في المتوسط ودورها المتصاعد المتوقع للعب دور إقليمي بات مطلوباً دولياً وعربياً وداخلياً.

ولئن خرجت أوراق في الولايات المتحدة أعدها فريق المرشح جو بايدن قبل عام توصي بتشجيع دور مصر والأردن في إيجاد تسوية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، فإن ما سُجل من تحولات أخيراً في موقف بايدن وإدارته في هذا الملف يتيح لمصر لحظة تاريخية للعب دور طموح، مطلوب دولياً ومقبول إسرائيلياً ومرحب به من كل التيارات الفلسطينية سواء في الضفة الغربية أم في قطاع غزة.

والأرجح أن مصر التي تستعيد عافيتها الأمنية والاقتصادية تستنتج أن تسرّب أجندات من خارج الجغرافيا الطبيعية (أي من إيران وتركيا وقطر) إلى داخل قطاع غزة، يعود أساساً إلى ما أتاحته مساحات الفراغ التي سببها الانكفاء المصري أياً كانت حيثياته، وأن تعبئة ذلك الفراغ مصرياً في جانبي الأمن والسياسة، وأيضاً في جوانب إعادة الإعمار وأعمال الإغاثة وإنعاش ورش الحل الدائم أو على الأقل الطويل الأمد، يمنح مصر وكالة حصرية من الطرف الفلسطيني، كما من الأطراف الخارجية لإدارة الشأن الغزي وعدم تجاوز الحقيقة المصرية.

وإذا ما نجحت القاهرة في فرض أمر واقع جديد في مقاربتها ملف فلسطين (بالتعاون مع الأردن وأطر الرباعيات)، فإن ظروفاً موضوعية أخرى وفرت للقاهرة سهولة الأمر، ذلك أن المصالحة الخليجية في العلا، وتقارب أنقرة والدوحة من القاهرة، ناهيك بانشغال طهران بأولويات فيينا، مكّنت مصر من التقدم حيث يتراجع الآخرون.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم