إعلان

الشتات الإسلاموي التركي منقسم بين أردوغان وباباجان وداود أوغلو

المصدر: النهار العربي
احمد نظيف
احمد نظيف
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بين رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بين رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان
A+ A-
بعد أشهر من الخلافات خلف الكواليس، خرج زعيم جماعة "مللي غوروش" الإسلامية التركية في أوروبا، كمال إرجون، إلى العلن من خلال تغريدة على حسابه في "تويتر"، قال فيها إن "التمييز بين الشرق والغرب لا معنى له في عالمنا المعاصر. إذا أردنا الحفاظ على التمييز، نحتاج إلى رسم خط بين أولئك الذين يحترمون حقوق الإنسان وسيادة القانون ومن يقوضها". تبدو التغريدة بسيطة وعادية، لكن سياق نشرها كان تنبيهاً لوقائع انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا. وناشرها ليس رجلاً بسيطاً ينتمي للنسيج الإسلاموي التركي المهاجر في أوروبا، بل زعيم أكبر جماعة إسلاموية تركية وثاني أكبر منظمة تركية في الخارج، وهي إحدى القواعد الاجتماعية الرئيسية لحزب "العدالة والتنمية" التركي منذ سنوات.
 
تأسست جماعة "مللي غوروش"، القريبة من تيار "الإخوان المسلمين"، على يد الأب الروحي للتيار الإسلاموي التركي نجم الدين أربكان منذ عام 1969، بوصفها امتداداً أوروبياً لحزبه الإسلامي "النظام الوطني"، وتَجذَّر وجودها أكثر في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1971. وقد تحولت إلى تنظيم ضخم منتشر في أغلب الدول الأوروبية التي تضم جاليات تركية، حيث تدير حوالى 300 جمعية إسلامية وتضم في صفوفها 100 ألف عضو ناشط في عموم القارة الأوروبية، نصفهم في ألمانيا وحدها، وفقاً لتقديرات نشرتها السلطات الألمانية، حيث تتخذ هذه المنظمة من مدينة كولن مقراً رئيسياً لها. وفي بلجيكا تسيطر الحركة على 300 جمعية إسلامية، و147 مسجداً، ولديها نحو 15000 إمام ومعلم.
 
وتشكل "مللي غوروش" إلى جانب الاتحاد التركي الإسلامي – أكبر المنظمات التركية في الخارج – الروافد الأساسية لنظام الرئيس رجب طيب أردوغان في الخارج، حيث تؤدي دوراً كبيراً في الدعاية للنظام والقيام بدور جماعات الضغط في الساحات الأوروبية التي تعمل داخلها، كما نجحت خلال المحطات الانتخابية العديدة في تكوين خزان انتخابي كبير لأردوغان وحزبه، فيما يكسب النظام من وراء الشبكات الاقتصادية التابعة للشتات روافد مالية كبيرة خاصة للحزب الحاكم.
 
ومنذ صعود "العدالة والتنمية" للسلطة في عام 2002 اتجهت السياسات التركية نحو تأطير الشتات التركي في أوروبا والسيطرة عليه وتوظيفه لخدمة المصالح السياسية والحزبية للنظام، رغم الخلافات التاريخية بين "العدالة والتنمية" وحزب أربكان ''الفضيلة" الذي يعتبر الممثل التاريخي لـ"مللي غوروش" في الداخل التركي. لكن القواعد الاجتماعية لـ"مللي غوروش"، لم تلتزم ذلك وتوزع ولاءها بين حزب أردوغان وأربكان، فيما تركت قيادة جماعة "مللي غوروش" حرية الاختيار بين الحزبيين.
 
وقبل تغريدة كمال إرجون التي يبدو أنها حسمت قرار جزء كبير من قيادات الشتات الإسلاموي بالتخلي عن تأييد أردوغان، استقال النائب عن الجاليات التركية في ألمانيا مصطفى ينير أوغلو، من حزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، والذي وجه قبل استقالته العديد من الانتقادات لسياسة أردوغان بعد المحاولة الإنقلابية في عام 2016، وآخرها نقده الجذري لتحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد، مشيراً إلى أن "تلاوة القرآن في آيا صوفيا كان تمويهاً للحكومة لصرف الانتباه عن المشاكل الاقتصادية التي تعيشها البلاد، مع تشويه سمعة الجمهورية التركية على أنها نظام قومي متطرف". واتهم النظام الحاكم في تركيا بأنه من ''الأنظمة الاستبدادية التي تطبق سياسات عرقية للتستر على المشاكل الاقتصادية". وفي أعقاب خسارة حزب "العدالة والتنمية" لبلدية إسطنبول كتب أوغلو: "خسرنا إسطنبول لأننا خسرنا تفوقنا الأخلاقي... يمكننا أن نستعيد تفوقنا بالنقد الذاتي وطي صفحة الماضي والنظر إلى المستقبل وأحلام الشباب والعقلانية وسيادة القانون والحقوق والفصل ما بين السلطات".
 
وينتمي النائب المستقيل مصطفى ينير أوغلو إلى جماعة "مللي غوروش" أيضاً ما يشير ضمنياً إلى تحول جذري في ولاءات الجماعة من تأييد أردوغان إلى معارضته، وهو ما يعني خسارة أردوغان رديفاً شعبياً وسياسياً رئيسياً في الشتات وفي الداخل، حيث تملك الجماعة شبكة كبيرة من المنظمات والنخب وتمثل اجتماعياً جزءاً مهماً من الفئات الوسطى الأناضولية.
 
واللافت أن مصطفى ينير أوغلو قد انضم بعد استقالته من حزب أردوغان إلى حزب "الديموقراطية والتقدم" الذي يتزعمه نائب رئيس الوزراء الأسبق، علي باباجان، وهو الحزب الذي تأسس من خلال انشقاق داخل حزب "العدالة والتنمية"، أي يملك القاعدة الاجتماعية نفسها التي ينطلق منها أردوغان ومجموعته. ويبدو أن جماعة "مللي غوروش"، غيرت موقعها السياسي من النظام الحاكم ولكنها لم تغير موقعها الفكري حيث ستواصل دعم تعبير آخر من تعبيرات التيار الإسلاموي التركي، وقد وجدت في حزب باباجان النسخة الأصلية من حزب "العدالة والتنمية" خلال انطلاقته في 2002، وهي النسخة التي عبث بها أردوغان منذ عام 2011، وأنهى وجودها بعد المحاولة الإنقلابية في 2016، حيث دخل في طور من السياسات الشعبوية تجمع بين التطرف الإسلاموي والتطرف القومي.
 
وهذا الطور المجنون من الحكم أصبح يأخذ طابعاً فردياً يستدعي تقديس الحاكم فيما تضيق قمة الحكم عاماً بعد أخر بشركاء المسيرة. وخلال سنوات فقد الرجل أبرز رفاقه مثل رئيس الوزراء السابق احمد داود أوغلو والرئيس السابق عبدالله غول ووزير المالية السابق علي بابا جان، وحليفه التاريخي فتح الله غولن. كما دخل في هوس التوسع شرقاً وغرباً وتحولت سياسة صفر مشاكل في الإقليم إلى حروب لا تتوقف. لكن بداية تحول موقف الشتات الإسلاموي سيكون لها ما بعدها، وستظهر نتائجها في الاستحقاقات الإنتخابية المقبلة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم