إعلان

المغرب وإسبانيا... الجوار الصعب

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
علما إسبانيا والمغرب
علما إسبانيا والمغرب
A+ A-
في 11 تموز (يوليو) 2002 توترت العلاقات المغربية - الإسبانية حول السيادة على جزيرة ليلى التي توجد على  مرمى حجر من السواحل المغربية شمال المملكة، إذ أدى دخول 11 فرداً من قوات شبه عسكرية مغربية إلى الجزيرة، إلى استنفار في الجيش الإسباني وإنزال عسكري في الجزيرة، ولولا تدخل وزير الخارجية الأميركي كولن باول آنذاك، لكانت الأمور قد انزلقت إلى مواجهة مفتوحة في غرب المتوسط. هذه الواقعة عرفت احتجاجات شعبية مغربية واسعة، رُفع فيها شعار مثير يختصر قصة الوجود الاستعماري الإسباني في شمال المغرب، ويقول الشعار: "لا توجد إسبانيا في أفريقيا"... 
 
هكذا تحاول إسبانيا، التي تحتل المدينتين المغربيتين سبتة ومليلية وعدداً من الجزر شمال المملكة، أن تجعل من وجودها الاستعماري أمراً يكتسب الشرعية بالتقادم، والمفارقة هي أن إسبانيا التي تدعي السيادة على تلك الثغور المحتلة، تطالب في نفس الوقت بالسيادة على جبل طارق الذي يوجد تحت الحكم البريطاني، ففي مسافة لا تتعدى 20 كلم، ينقلب المنطق عند الإسبانيين رأساً على عقب، فهم يقبلون لجنة مشتركة مع الانكليز للنظر في مستقبل جبل طارق، وفي نفس الوقت يرفضون دعوة من الملك الراحل الحسن الثاني تعود إلى 1989 عندما دعى إلى إحداث خلية مشتركة للتفكير في مستقبل الثغور المغربية المحتلة، بل بلغ الأمر رفض ما تم الاتفاق عليه بين البلدين عقب زيارة سابقة لرئيس الحكومة الإسبانية الأسبق  الاشتراكي فيليبي غونزالس للمغرب في فبراير (شباط) 1996، ويتعلق ذلك الاتفاق بإحداث لجنة ابن رشد للتفكير المشترك في القضايا التي تهم البلدين، معنى ذلك أن الإسبان يخافون مواجهة الحقيقة بخاصة عندما تكون مسنودة بشواهد التاريخ والجغرافيا.
 
قبل أيام قامت الخارجية الإسبانية باستدعاء سفيرة المغرب في مدريد كريمة بنيعيش للاستفسار عن تصريحات أدلى بها رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني لقناة "الشرق"، تضمنت تلك التصريحات حتمية فتح ملف مدينتي سبتة ومليلية والجزر المحتلة من طرف إسبانيا، بعد تسوية موضوع الصحراء المغربية، هذا الموقف، رغم أنه لا يمثل جديداً على المستوى الرسمي والشعبي مغربياً، وهو ما أكدته سفيرة المغرب في مدريد بوضوح، فإنه أثار رد فعل إسبانياً مبالغاً فيه يكشف حجم التوتر والصدمة الذي تعيشها إسبانيا منذ الإعلان الرئاسي الأميركي المعترف بسيادة المغرب على الصحراء المغربية، بل بلغ الأمر حد تعبير وزيرة الخارجية الإسبانية أرانتشا غوانزاليس لايا عن رغبة حكومة بلادها الاتصال بفريق الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن لبحث إمكانية مراجعة واشنطن لهذا الإعتراف، لكن في مقابل ذلك كان فيرناندو مارلاسكا وزير الداخلية الإسباني، كما أشارت وسائل إعلام كتالونية، أنه قد أكد في تصريح لـ"كادينا سير" بأنه "لا يوجد أي نوع من المشاكل المثارة"، بخصوص العلاقات الدبلوماسية المغربية - الإسبانية، وأن العلاقات بين المملكتين، "لم تتغير على الإطلاق"، مشدداً على أن علاقة بلده مع المغرب جيدة، وتعرف تعاوناً في ملفات كثيرة من قبيل سياسة الهجرة.
 
هذا الاختلاف بين وزيرة الخارجية ووزير الداخلية في الحكومة الإسبانية، يعكس حجم التناقضات التي تخترق التحالف الحكومي في إسبانيا والذي يعكس أزمة عميقة تتمثل في إنهيار نظام الثنائية الحزبية والانتقال إلى نمط من الحكومات المتعددة الأحزاب، بشكل لم تتعود عليه الحياة السياسية والحزبية الإسبانية، هذا النمط الجديد يمثل موجة حملت تيار اليسار الشعبوي ممثلاً في "بوديموس" وفرضته في التحالف الحكومي، وحملت ذات الموجة حزب "فوكس" اليميني الشعبوي الذي تمثل أفكاره العنصرية أكبر خطر على العلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا لتضعه في الصفوف الأولى للمعارضة. 
 
يبدو مع هذه المتغيرات على الساحة الإسبانية، أن الحزب الاشتراكي الذي يقود الحكومة الحالية يوجد تحت ضغط شعبوي كبير قد يدفعه إلى المس بالعلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ظهر ذلك جلياً في تناقض خطاب الداخلية الإسبانية، التي تعي أهمية دور المغرب على المستوى الأمني في مواجهة الإرهاب والهجرة السرية، مع خطاب الخارجية الإسبانية الذي يكشف شعوراً إسبانياً مستبطناً مفاده أن المغرب في السنوات الأخيرة يقوم فعلياً بتغيير القواعد التي حكمت العلاقات بين البلدين ودورهما في غرب المتوسط ومنها على الخصوص، مبادرة المغرب إلى ترسيم حدوده البحرية الأطلسية على مستوى الصحراء المغربية المقابلة لجزر الكناري، والخنق الاقتصادي الذي يمارسه المغرب في مواجهة الوجود الاستعماري في سبتة ومليلية، سواء عبر الميناء المتوسطي في طنجة أو منع التهريب المعيشي من الثغرين المحتلين، يضاف إلى ذلك بالتأكيد، الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء ومسلسل فتح القنصليات في مدينتي العيون والداخلة وبخاصة القنصلية الأميركية التي أكد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في تغريدة له مساء الخميس الشروع في بنائها بالداخلة، هذه التحولات الصادمة أفقدت إسبانيا القدرة على ابتزاز المغرب في عدد من الملفات، كما أنها تعيد بناء موازين القوى في المنطقة، فهل سينجح التجاهل المغربي الرسمي للتشنج الذي طبع ردود الفعل الإسبانية؟ أم أنه سيختار المواجهة كقدر فرضه الجوار الصعب...؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم