إعلان

الإشارات والنّزول عن الشّجرة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
نتنياهو يمثل أمام القصاء
نتنياهو يمثل أمام القصاء
A+ A-
في ما يشبه النزول الحذر، تهبط المؤسسة السياسية في إسرائيل عن الشجرة التي صعد اليها رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو. وبينما يمثل نتنياهو أمام القضاة للمرة الرابعة وهو يصغي الى شاهد الإثبات نير حيفتس مساعده والناطق باسمه قبل أن يعقد صفقة مع القضاء، تتراكم الإشارات من وراء ظهره في الدولة التي حكمها سنوات طويلة تجاوزت سنوات حكم مؤسسها ديفيد بن غوريون، ويتفاقم في العالم مأزق البحث عن طريق العودة الى الاتفاق النووي مع إيران الذي شكل دفع إدارة دونالد ترامب للخروج منه ذروة منجزه السياسي.
 
تترافق محاولات العودة الى الاتفاق مع التلميح الى فشل سياسة الضغط القصوى على إيران، ويذهب البعض الى أنها استفادت، أي إيران، من تلك السياسة في تسليح ميليشياتها بموازاة الأنظمة الهشة في المنطقة، وتطوير مشروعها العسكري بأذرعه المتعددة؛ النووي والصواريخ البالستية، وأخيراً تحدث بإسهاب وهيستيرياً وزير الحرب بيني غانتس عن خطر الطائرات الإيرانية المسيّرة وقدرتها على الإخلال بـ"التوازن" العسكري. ويتدافع جنرالات متقاعدون للحديث عن عدم قدرة الدولة العبرية على مواجهة العسكرية الإيرانية. تجد مثل هذه الإشارات في الصحافة المكتوبة وفي برامج الحوارات على الفضائيات، حيث يتجادل الى ما لا نهاية خبراء ومحللون يفككون التصريحات والتهديدات التي دأب وزراء وجنرالات، لم يتقاعدوا بعد، على إطلاقها نحو "الإمبراطورية" البعيدة، ضباط سيصبحون أكثر حكمة وهدوءاً بمجرد حصولهم على التقاعد وتحولهم خبراء في الفضائيات.  
 
يجري إنعاش ذاكرة الإسرائيليين إنعاشاً يكاد يكون منتظماً بأن "الدولة" محاصرة بالسلاح الإيراني، وبأن نفوذ إيران يحيط بإسرائيل على شكل ميليشيات هي نسخ بدائية عن "الحرس الثوري" الإيراني وأذرع غير معتنى بها من "فيلق القدس". رئيس الوزراء نفتالي بينيت انضم أخيراً الى الحديث عن "طوق الميليشيا" الذي بنته إيران خلال السنوات العشر الأخيرة. 
 
لا تخلو عملية النزول من إطلاق التهديدات وتوضيح رفض إسرائيل لفكرة أن تصل إيران الى "العتبة النووية"، التي ستأتي بها العودة الى اتفاق "أوباما" 2015 مع إيران. ولكنهم هناك في إسرائيل يبدو أنهم بدأوا إفلات المركبة والخروج من أي التزام قد يترتب على تلك العودة. "لسنا جزءاً من الاتفاق ولن نلتزمه" يقول بينيت في إعادة قادمة من زمن سلفه الليكودي نتنياهو، إعادة باهتة لا تذهب مذاهبه ولا تملك "كاريزما" الموقف الذي كانت توفره شعبوية نتنياهو، ولكنها صالحة للاستهلاك الداخلي وتشكل أرضية لابتزاز سياسي.
 
الأمر الذي يزداد وضوحاً هو تلك النبرة الزاحفة في الخطاب حول عدم جاهزية إسرائيل لتوجيه ضربة متكاملة للمشروع النووي الإيراني، والتي تبدأ بمتحدثين يواصلون إحصاء الصواريخ التي ستهبط على "الدولة" وتصنيفها وتدبيج جداول بمدياتها، ثم وضعها في مراتب ومتواليات دقيقة ومتوسطة الدقة وبدائية، وتوزيعها على الجهات شمال جنوب. آخر المتحدثين في هذا الشأن كان مدير الموساد السابق تامير باردو الذي قال لطلبة جامعة "رايشمان" أخيراً، بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، إن إسرائيل غير قادرة على تدمير المشروع النووي الإيراني، ولا تملك استراتيجية واضحة بهذا الشأن، وإن حكومة بينيت تميل الى العودة الى نهج نتنياهو. باردو الذي سمح له موقعه السابق بأن يكون أكثر قرباً من مصادر المعلومات وغرف القرارات، يمكن أن يشكل إشارة واضحة الى عملية النزول "الوطنية" الجارية في إسرائيل، وسيبدو متصالحاً مع نفسه عندما يضيف أن "الاتفاق رغم ثغراته يحتوي على مزايا، وسيكون من الأفضل العمل على "تحسين الصفقة" بدل الشجار مع إدارة بايدن".
 
سيبدو هذا الرأي ضربة موجهة الى سياسة هي مزيج من الإعلام والتبجح والشعبوية والحملة الانتخابية، قادها نتنياهو على مدار ما يقارب العقد من السنوات من جهة، ونوع من إزجاء النصيحة لبينيت الذي يحكم من دون أن يملك استراتيجية من جهة أخرى، ويتماهى مع "نصيحة" أميركية تناقلتها الصحافة الإسرائيلية، تحذر إسرائيل من محاولة توجيه ضربة للمشروع النووي الإيراني من جهة ثالثة.
 
لتعويم سياسة النزول عن الشجرة أمام جمهور يميني تقوده نزعة عنصرية، ولتغذية النهم الذي يتملك الفاشية الاحتلالية في إسرائيل، وكما جرت العادة، تتصاعد الحملة الاستيطانية في القدس والضفة. تمكن إدارة الفروق الصغيرة مع إدارة بايدن حول سياسة الاستيطان بسهولة واضحة لا تقارن بالخلاف حول الاتفاق النووي مع إيران، بلينكن الذي يحدّق في الذّراع الإسرائيلية والخطاب الإسرائيلي بقوة عندما يتعلق الأمر بالاتفاق مع إيران، يستطيع أن ينظر الى الجهة الأخرى بينما يجرف المستوطنون آلاف الدونمات في القرى الفلسطينية في الضفة، أو إضافة آلاف الشقق في مستوطنات القدس أو مصادرة أراضي مطار قلنديا الفلسطيني لبناء حي استيطاني بين القدس ورام الله، هكذا لا يغضب الأميركيون كثيراً، ويتلهى وحش الاستيطان بالوجبة، وتدبّج السلطة الفلسطينية رسالة الى الأمم المتحدة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم