إعلان

الإعلام العربي... القوة النائمة

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
صورة نمطية للعربي منتج النفط
صورة نمطية للعربي منتج النفط
A+ A-
هل يلام الجاهل على جهله، إن لم يجد من يعلمه؟ أم نحاسب أهل العلم الذين تقاعسوا عن إيصال الرسالة الى من يجهلها؟ وهل تتوقف مسؤولية طالب العلم عندما يحصل عليه، أم تبدأ بعدها مسؤولية نشره وتعميم الفائدة منه؟ 

يطرح هذا السؤال اليوم على نخب الإعلام العربي التي اكتفت بالدفاع عن القضايا العربية والتنوير بثقافتها والتعريف ببلدانها وشعوبها ضمن المحيط العربي فحسب. وكأنما الهدف هو تسجيل النقاط ضد المخالفين وإثبات الوجود وتحقيق الشهرة والمكانة الشخصية. 

أما إيصال الرسالة الى خارج الوطن الكبير، فمهمة تركناها للمؤسسات الإعلامية الأجنبية. ونتيجة لهذا التقصير والتواكل، سمحنا بأن يتفرد بالمهمة من يجهلنا، ويتخصص إعلام العدو بالتعريف بنا، وبأن تُصاغ أخبارنا وتقدم قضايانا في القوالب التي تضر بصورتنا عند الرأي العام العالمي، بما يؤثر في مصالحنا ويخدم مصالح خصومنا. وزاد الطين بلّة نشاط الجماعات الإرهابية على وسائل الإعلام الاجتماعي ومنصات الإعلام الجديد، وتقديمهم صورة مشوهة عن ديننا وثقافتنا ومفاهيمنا الحضارية. 

صورة العرب دولياً
واجهتني هذه المشكلة كثيراً خلال إقامتي في الولايات المتحدة، وعلى أكثر من مستوى شعبي ونخبوي. ومثال ذلك عندما قلت لزملائي في كلية الصحافة في جامعة أوريغن إنني سأهدي كل منهم لمناسبة التخرج برميل نفط، لم يضحك إلا أستاذنا الإعلامي المخضرم، الذي سارع بالتنبيه الى أنني أمزح، فالنفط في السعودية ملك الدولة، وليس الأفراد والشركات كما هو الحال في أميركا. 

وتعرضت لمواقف مشابهة عندما كنت ألقي محاضرات تعريفية بمنطقتنا، فالجهل بأمتنا وثقافتنا وديننا يتعدى المعقول. وأذكر أن المحرر الدولي في صحيفة أميركية أتصل مستوضحاً أمراً عن الشأن الإيراني، وفوجئ عندما قلت له في سياق حديثي إن إيران ليست دولة عربية، وسألني بدهشة إذن ما تكون؟ قلت له فارسية، فعاد ليسأل أليس الفرس عرباً؟ 

جهل النخب
كما وجدت جهلاً مماثلاً عند كثير من أعضاء الكونغرس ورجال الأعمال ومراكز المعلومات خلال زياراتي لهم وزيارتهم لنا في المملكة، وفي الغرفة التجارية في مدينة جدة التي رأست لجنة العلاقات الدولية فيها. 

ولعل الوضع أرحم في أوروبا، فكثير من هذه الدول مستعمرة، وقد حكمت معظم البلاد العربية. وبحكم المقاربة الجغرافية والاجتماعية فإن الخبرة والمعرفة الشعبية والنخبوية أعلى منها عند سكان القارة الأميركية، الأشبه بجزيرة عظيمة معزولة عن العالم بالمحيطين الأعظمين، الهادئ والأطلسي. ومع ذلك فكثيراً ما وجدت نفسي مضطراً لتوضيح البديهيات عن ديننا وثقافتنا واقتصادنا وسياستنا للأوروبيين أيضاً. 

دور المغتربين العرب
ولذا فقد كانت سعادتي عظيمة عندما شهدت خلال حضوري مؤتمر العلاقات السعودية - الأميركية الذي نظمه نادي الطلبة السعوديين في ولاية أيوا، عام 2007، حجم التفاعل والنجاح الذي حققه شبابنا هناك بالتعاون مع زملائهم العرب، بمبادرة مدعومة من الملحقية الثقافية السعودية، ومن خلال عشرات الأندية المماثلة في معظم الجامعات الأميركية. كما سمعت عن نشاط مماثل في بريطانيا وكندا وأستراليا يستحق منا الإهتمام والدعم والتوجيه.

قلت لوفد من إدارات حكومية أميركية التقيته في الملحقية الثقافية السعودية في واشنطون لمناقشة أحوال طلابنا هناك أن المملكة أرسلت لهم أكثر من مئة وخمسين ألف سفير سلام، هم طلابنا وأسرهم هناك، وهم أيضاً سفراء لأميركا بما يعودون به من معرفة واستيعاب للمجتمع الأميركي وحضارته. والحاجة ملحة لأن نستفيد من هؤلاء في بناء الجسور بين بلدينا وشعبينا، وأن نزيل من خلالهم ظلمات الجهل الذي يقود إلى الخوف والكراهية، والصراعات بين الحضارات والشعوب. 

اللوبي الإيراني
إيران فعلت ذلك واستغلت جالياتها في أميركا وكندا وأوروبا لتشكيل لوبي متشعب ومؤثر في كل مفاصلها، وأهمها التعليم والإعلام ومراكز البحوث. وهكذا فعلت إسرائيل، ولذلك، كما كشف لي سناتور أميركي، فإنه مضطر لمراجعة موقفه ألف مرة قبل أن يصوت مع قرار ضد بلد له لوبي قوي، فيما يستسهل الأمر مع العرب، لأنه لن يسمع منهم حتى الشكر بحال كان القرار في مصلحتهم. 

نحن نملك ثروة إنسانية ضخمة لم نحسن استغلالها بعد، ومن خلال برنامج للتدريب والتوجيه والدعم لطلابنا وأسرهم يمكن أن نحسن الصورة الذهنية لبلداننا وأمتنا، وأن نخلق تعاطفاً شعبياً معها، وفهماً نخبوياً لها.

التواضع والتواري
نعم ... السكوت لغة، وبعض الصمت إجابة. وصحيح أن الأفعال خير من الأقوال، إلا أننا في مرحلة تتطلب منا كثيراً من الكلام والقليل من التواضع والتواري. فخصومنا يملأون الدنيا ضجيجاً والناس ينتظرون منا الرد والتوضيح. ولا تتعارض الحاجة الى الكلام مع أهمية العمل على تصحيح الأوضاع الخاطئة، وتطوير الذات، والارتقاء بمنجز الأمة وثقافة الشعوب. 

صحيح أن بعض المواقف تتطلب أن نترك للإنجاز مهمة الحديث، ونترفع عن المهاترات والمزايدات. ولكن هذا لا يعفينا من مخاطبة الجماهير بلغة يغلب فيها المنطق والمعلومة والحقائق، وبشفافية توصل رسالتنا اليها من دون مبالغة أو سفسطائية أو لغة هابطة. 

ووسائل الإعلام والتواصل اللحظية، تجعل من التأني بطئاً وتأخيراً يفقدك ميزة المبادرة، وتسمح للخصم بالوصول أولاً ليضعك في قفص الاتهام والدفاع. وبينما ترد على تهمة يكون قد كال لك المزيد من التهم. وفي الصمت بهذه الحالة شبهة الاعتراف. 

إعلام المحاور
قنوات "الجزيرة" المتعددة (العامة والمباشرة والوثائقية والإنكليزية) كانت سباقة على المسرح، واستطاعت أن تتفرد بالعقل العربي سنوات طويلة قبل أن تأتي "العربية" و"الحدث" و"سكاي نيوز" و"الشرق" لتوازن المشهد، وتتيح لهذا العقل للمرة الأولى أصوات مكافئة في المهنية ومختلفة في المنطلق والهدف. وهكذا منذ "صوت العرب"، والـ"بي بي سي"، و"مونت كارلو"، و"صوت اميركا"، تعددت وسائل الإطلاع العربية. 

أما في الإعلام المطبوع، فقد تقدمت "الشرق الأوسط" و"الحياة" على غيرها من الصحف العربية، بعد أن أفل نجم صحف عربية بارزة. ولحقت قطر بالركب أخيراً بصحف تصدرها في لندن، كـ"القدس العربي" و"الخليج الجديد" و"العربي الجديد"، إلا أنها لم تحظَ بالانتشار والقبول في الحواضر العربية. وخسرت جمهوراً واسعاً عندما حذت حذو "الجزيرة" في التحيز السياسي والأجندات الخفية. 

و"الخريف العربي" فضح الانتماءات والولاءات، وضرب المهنية المحايدة وشعارات مثل "منبر من لا منبر له" و"الرأي والرأي الآخر" في مقتل، فعاد الإعلام العربي لسابق عهده من التحيز لاتجاه وسياسة الملاك. 

الإعلام المعادي
وأمتنا اليوم تواجه حملة دعائية شرسة من إعلام المحور. وفي الوقت الذي تطلق فيه إيران عشرات القنوات بالعربية وحدها، وتحرص "الجزيرة" على الوصول إلى المستمع الدولي من خلال نسختها الإنكليزية، ابتعدت قنواتنا عن اللغات الأجنبية التي نحتاجها للوصول إلى الداخل والمهاجر الإيراني، وشعوب الأرض المقيمة بيننا أو في بلدانها. 

وعدا قنوات محلية هي نسخة مترجمة لقنواتنا الرسمية وبعض الصحف بالإنكليزية في بلاد المشرق والفرنسية في المغرب العربي، لم نبذل الجهد الكافي للوصول إعلامياً إلى الغير لنقدم وجهة نظرنا، ونظهر ما وصلنا اليه من تقدم ونغير الصورة النمطية عنا. وهو بالضبط ما يحتاجه الإعلام المعادي للاستفراد بالجمهور المستهدف. 

مشكلة التمويل
ادرك أن الفارق بيننا وبين إعلام المحور المعادي هو تبني الدول والأحزاب ودعمها المباشر لوسائل إعلامهم، مقابل تسيد الإعلام التجاري عندنا. ومن الصعب إقناع شركة بتقديم خدمة لن يدعمها الإعلان إذا لم يكن هناك تمويل من وزارات الإعلام. ولا أرى بأساً من حصولها على هذا الدعم بتقديم التسهيلات والمساهمة في النفقات وتوجيه إعلانات الشركات الحكومية اليها. فالهدف سامٍ ونبيل، وهو توفير المعلومة وتصحيح المفاهيم وتفنيد الإدعاءات ضدنا. 

فكنتيجة لغيابنا أستطاع الإعلام المعادي تحقيق إختراق دولي وتأثير لا ينكر على المنظمات الحقوقية والأممية والحكومات والبرلمانات. ووجه أصابع الاتهام والنقد بعيداً من ممارسات الغرب القمعية وجرائمه الإنسانية ليتفرغ لنقدنا وتقريعنا بناء على معلومات إعلامية عبر هذه القنوات ومن أجهزة الدعاية المعادية. ولنجد أنفسنا نخاطب العالم من منصات الدفاع بدلاً من المبادرة، ونخسر بذلك مساحة لا يستهان بها من الصدقية. وزادت الأمر سوءاً خلافاتنا البينية التي حملتها أنشطة العلاقات العامة والدبلوماسية لاستقطاب القوى العظمى لمصلحة هذا المعسكر العربي أو ذاك. 

رؤية إعلامية عربية
المطلوب اليوم مراجعة شاملة للرؤية الإعلامية العربية، وخطة لتوحيدها وتأطيرها وتنشيطها لكي تحتل مكانها الطبيعي في إطار التعاون العربي. وسواء كانت المنصات تجارية أم حكومية ينبغي أن تحدد لها أهداف واضحة، وآلية دقيقة، ودعم كافٍ. مع الأخذ بالاعتبار اختلاف المسرح والجمهور المحلي أو العربي عن غيره. فلا يصح أن نخاطب المتلقي الأوروبي والأميركي والاسترالي، أو الصيني والأفريقي واللاتيني بالأسلوب والمنطق نفسيهما، وبطريقة ثوب واحد بمقاس واحد يناسب الجميع. فلكل مقام مقال، ولكل ثقافة سياقها ومنطقها، فـ "خاطبوا الناس على قدر عقولها". 

هذا مشروع ضخم، ومشواره طويل، والمطلوب أن نبدأ بالبحث العلمي من خلال كليات الإعلام ومراكز الدراسات والمؤسسات الإعلامية العربية في الداخل والخارج، وأن يتم التعاون من خلال العمل المشترك بين  وزارات الثقافة والإعلام والأجهزة المعنية في الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي. طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، فلنبدأ بها.


 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم