إعلان

أوكرانيا... هل فتحت الدّبابات طريق الحوار؟

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
سحب القوات الروسية من الحدود الاوكرانية
سحب القوات الروسية من الحدود الاوكرانية
A+ A-
هبّت فجأة وهدأت فجأة. هكذا يمكن اختزال حالة التوتر التي سادت الحدود الروسية - الأوكرانية في الأسابيع الأخيرة. مناورات وحشود من الجانبين وحرب كلامية بين روسيا من جهة وأوكرانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي من جهة ثانية. حتى خُيل للبعض أن الحرب ناشبة لا محالة، وبدأت عملية رسم السيناريوات لها. 
 
ثم أتى الخميس بخبر اختتام  روسيا مناوراتها على الحدود مع أوكرانيا وكذلك التدريبات التي أجرتها السفن الحربية الروسية في البحر الأسود، وليصدر من الجهة المقابلة ترحيب بالخطوة الروسية من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ودول أوروبية وواشنطن، وإنزاح الخطاب التعبوي ليحل مكانه كلام تهدوي يتسم بالمرونة وإيلاء الحوار موقعاً متقدماً في التصريحات والمواقف الصادرة من الجانبين.  
 
وعند التدقيق في ما حدث في الأسابيع الأخيرة، لا يمكن إلا إقامة صلة مباشرة بين التوتر على الحدود الأوكرانية، والتردي غير المسبوق في العلاقات الأميركية - الروسية منذ 30 عاماً. عملية طرد متبادل للدبلوماسيين على خلفية اتهامات أميركية لروسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية عامي 2016 و2020 وبشن هجمات سيبرانية روسية واسعة على شركة "سولار ويندز" الأميركية المرتبطة بوكالات أمن فدرالية حساسة.
 
وفي المقابل، كانت روسيا ترد على الاتهامات الأميركية، باتهامات مماثلة مثل القول بالتدخل في الشؤون الروسية من خلال دعم المعارض أليكسي نافالني ومنظمات تعمل تحت لواء المجتمع المدني، وأكثر من ذلك، وضع الكرملين الإجراءات الأميركية في سياق عدم تقبل واشنطن فكرة نشوء عالم متعدد الأقطاب في الأعوام الأخيرة، وإصرارها على التفرد بقيادة العالم. 
 
الهدوء النسبي الذي تلى العاصفة على الحدود الأوكرانية، مرده إلى تقدم الاتصالات بين واشنطن وموسكو على صعيد التحضير لقمة بين الرئيسين الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين.
ومهما علت لغة التحذيرات والتهديدات، فليس من مصلحة، لا الولايات المتحدة ولا روسيا، نشوب نزاع مسلح على نطاق واسع في أوكرانيا، يمكن أن يجر إلى مواجهة روسية - أطلسية مباشرة. لذلك، عاد الجانبان إلى سلوك سياسة واقعية تبقى ضماناً لعدم الذهاب في اتجاهات صدامية.  
 
وتبقى فكرة واحدة تؤرق بوتين، وهي تكمن في الطريقة التي يتعامل بها الغرب مع روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. يريد سيد الكرملين إثبات أن روسيا هي أكثر من محطة وقود مزوّدة بأسلحة نووية، وأنها دولة لها مكانتها الإقليمية والدولية، وأن لها الحق في أن تحمي مصالحها القريبة والبعيدة حتى. ولخّص بوتين هذه المسألة بقوله في معرض الكشف عن أسلحة روسية متفوقة عام 2018 "والآن، يجب أن تستمعوا إلينا!". 
 
هذه المعضلة التي تقف حائلاً دون قيام علاقات مستقيمة بين روسيا والغرب، لأن الأخير يعتبر أن روسيا لا تقل عداءً من الناحية الأيديولوجية عن الاتحاد السوفياتي وتالياً يجب أن تبقى خاضعة للعقوبات حتى لا يتسنى لها استكمال دورة نهوضها وعودتها لتحتل مساحة النفوذ التي كان يحتلها الاتحاد السوفياتي. ولهذا زحف حلف شمال الأطلسي شرقاً نحو الحدود الروسية ليضم دولاً كانت في الماضي تدور في الفلك السوفياتي، وها هي اليوم تزايد على العواصم الغربية في نبرة العداء لموسكو، مثل تشيكيا وبولونيا وجمهوريات البلطيق.  
 
وما دامت الحال كذلك، كيف لبوتين ألا يقلق و"الثورات الملونة" تندلع على أبوابه من جورجيا إلى أوكرانيا وبيلاروسيا. ولو بقيت أوكرانيا على علاقة طبيعية مع موسكو عام 2014، لما كان ضم بوتين منطقة القرم. لكن خسارته أوكرانيا، كان يمكن أن تسد عليه المنفذ إلى المياه الدافئة عبر إقفال البحر الأسود أمامه وقطع الطريق عليه للوصول إلى المتوسط. إنها اللعبة الجيوسياسية التي تحكمت بقرار ضم القرم، وما تلاها من عقوبات أميركية وأوروبية أنهكت الاقتصاد الروسي.  
 
بعد موجة التصعيد الأخيرة، يفترض أن تكون كل الأطراف قد أفرغت ما في جعبتها من أقوال، وعسى أن تكون مناورات الدبابات والأساطيل قد فتحت باب الحوار مجدداً.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم