إعلان

الإخوان و ريجيني.. والله على ما أقول شهيد

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
عمرو فاروق
جوليو ريجيني
جوليو ريجيني
A+ A-
خرجت، الساعات الماضية، قناة "التلفزيون العربي" بتقرير مصوّر يضم شهوداً جدداً في رواية إدانة الأجهزة الأمنية المصرية بتعذيب ومقتل الناشط الإيطالي جوليو ريجيني في شباط (فبراير) 2016 في القاهرة، ساقياً أصواتاً (مضخمة)، ادعى أنها لشهود إثبات في تلك القضية التي ما زالت خيوطها محاطة بالتعتيم والغموض.
 
عُرض التقرير المتلفز تحت عنوان "الحقائق المدفونة.. وثائق وشهادات حصرية عن مقتل جوليو ريجيني"، مستشهداً بتحقيقات النيابة الإيطالية التي أجرتها في القاهرة، معتمدة على مجموعة من الشكوك والتأويلات التي لا ترقى للأدلة الجنائية المباشرة، والتي رفضتها النيابة العامة المصرية جملة وتفصيلاً.
 
بجانب إرفاقه روايات قدمها الإعلام الإيطالي متضمنة رسائل مجهولة المصدر وصلت إلى مقر صحيفة (la Repubblica)  تفيد بمسؤولية الأمن المصري عن الجريمة، فضلاً عن تقارير نشرتها صحيفة "التايمز" الإيطالية، تدّعي من دون سند أن مقتل ريجيني جاء نتيجة صراع بين الأجهزة الأمنية المصرية، وهي وقائع في عرف القانون الجنائي والدولي، افتراءات لا تسمن ولا تغني من جوع.
 
اعتمد التقرير المتلفز على كلام مرسل في إطار حبكة درامية من شأنها شيطنة الأجهزة الأمنية المصرية، مروّجاً لتنقل ريجيني مكبلاً بين مقارّ المخابرات العامة والمخابرات الحربية والأمن الوطني، في خلط ساذج بين الأدوار المناطة بكل جهاز أمني، وإن تداخلت وتشابكت بينها المهام وفقاً لمقتضيات الأمن القومي المصري. 
 
سياق التقرير المتلفز أكد أن الشاهدين الجديدين، شاهدا جوليو ريجيني، أثناء استجوابه وتعذيبه في مقر المخابرات الحربية تحديداً، خلال وجودهما داخل هذا المقر بحكم سجنهما في تلك الفترة الزمنية، مقدماً إياهما بأسماء مستعارة "شاهين"، و"الطبيب". 
مشاهد تقرير التلفزيون تبنّت في ذاتها تورط الأجهزة الأمنية المصرية في جريمة ريجيني، في إطار يخرج عن المهنية الإعلامية، إذ إن القناة والقائمين عليها، نصّبوا أنفسهم قضاة يملكون الأدلة ويحاكمون المتهمين، معتمدين في خلطتهم الدرامية على "شاهدي زور"، مؤدلجين فكرياً وتنظيمياً وسياسياً، ولديهما عداء مع الدولة المصرية ومؤسساتها.
 
الحكاية الحقيقية التي لن يرويها صانعو الخيوط الدرامية للتقرير المتلفز ، أن الشاهدين هما من العناصر التنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين، واستثمرا وجودهما في مقر تابع للمخابرات الحربية، خلال التحقيق معهما بتهمة تورطهما في أعمال عنف ضد المؤسسة العسكرية بمشاركة اللجان النوعية المسلحة، تمهيداً لتحويلهما للقصاء العسكري أو للقضاء المدني في نهاية المطاف.
 
هذان الشاهدان تمكّنا عقب خروجهما من السجن،من الهروب خارج البلاد، وبحكم انتمائهما الى المكوّن التنظيمي للإخوان، وتأثرهما بالأفكار التكفيرية القطبية، لديهما ثأر مع النظام السياسي المصري، الذي يعتبر وفقاً لعقيدتهما صائلاً وكافراً وممتنعاً عن تطبيق الشريعة، ووجب إسقاطه، ومن ثم ليس لديهما غضاضة في "شهادة الزور"، التي تمثل إحدى أدوات إرباكه وإحراجه دولياً ومحلياً، من خلال إشعال التوترات بينه وبين الجانب الإيطالي.
 
تلك "الشهادة الزور"، في مضمونها ومحتواها، تنتمي الى الشهادات والروايات المكذوبة نفسها التي سجلها قادة الجماعة في مذكراتهم في سياق براغماتي نفعي، مثل كتاب "أيام من حياتي"، الذي وصفت فيه زينب الغزالي سجون العهد الناصري بالسلخانة، مناقضاً للرواية الخارجة من ثنايا جدران الهيكل التنظيمي، والتي أسقطت القناع عن صائغ سطوره ومؤلف حبكته الخيالية، القيادي الإخواني يوسف ندا، الذي اعتاد فبركة الوقائع والقصص لتشويه الدولة المصرية وأجهزتها، مثلما صنع من قبل وثيقة "استئصال الإخوان" المزيفة، التي أرفقها الشيخ محمد الغزالي في كتابه "قذائف الحق"، ونسبت الى الأمن المصري، كنوع من التلفيق المتعمد أمام الرأي العام العربي والدولي.

ربط جريمة مقتل ريجيني بالأجهزة الأمنية المصرية، سيناريو يحمل في طياته الكثير من السذاجة المتناهية، إذ لا يمكن لأجهزة استخباراتية، تمتلك تاريخاً طويلاً وخبرة كبيرة،  أن تتورط في جريمة تدفعها لأزمة دولية في وقت يتوسع فيه النظام السياسي لإقامة علاقات دبلوماسية في مخلتف الاتجاهات الأوروبية، ما يعني أنه في حال افتراض تورط ريجيني في أعمال تهدد الأمن القومي المصري، لحاكمته الدولة المصرية أمام دوائرها القضائية، أو سلّمته لروما، مكتفية بتحفظها على نشاطه على أراضيها. 
 
قاتلو جوليو ريجيني، سعوا بطريقتهم الوحشية في تنفيذ العملية الى تعمد إلصاقها بالأجهزة الأمنية المصرية، من خلال ترك كدمات وسجحات في جسده قبل مقتله، حتى تكون أركان الجريمة مكتملة أمام الرأي العام الدولي، وكفيلة بإدانة النظام السياسي المصري، فضلاً عن تهيئة قطع العلاقات بينه وبين الجانب الإيطالي الذي يعد الشرك الأساسي في صفقات السلاح وتوريدها. 
 
تمثل قيادات الإخوان، وفقاً للكثير من الشواهد، كلمة السر في الرسائل المجهولة التي تصل إلى الصحف الإيطالية، وتحمل سيناريوهات تحريضية تتهم المؤسسات الأمنية الثلاثة مباشرة، من دون تقديم أي أدلة ثبوتية، رغبة في تشتيت جهات التحقيق المصرية والإيطالية عن الفاعل والمحرض الرئيسي في جريمة مقتل ريجيني، لا سيما أن الطريقة التي رُوج بها للتقرير المتلفز تهدف الى محاولة إثارة الجانب الإيطالي وتهييجه ضد الدولة المصرية، عبر "شهود زور"، تمت صناعتهم على أعين الجماعة في فترة زمنية تشهد تقاربات بين النظام السياسي المصري والجانب القطري التركي.
 
خلال متابعتي لملف تيارات الإسلام السياسي، تعرفت الى عدد من القيادات الشبابية لجماعة الإخوان، والتي ظهرت للعلن عقب صعودهم المشهد السياسي في مصر، وكانوا بمثابة مصدر مهم في معرفة المعلومات والتفاصيل التائهة في عمق الهيكل التنظيمي في تلك المرحلة، كان من بينهم شاب لديه طموح الوصول الى رأس قمة الهرم التنظيمي، وكان كثيراً ما يتباهى بانتمائه الى الجماعة ومشروعها، لكنه اختفى عقب سقوط حكم المرشد في حزيران (يونيو) 2013.
 
التقيته صدفة في بداية 2015، وجلست برفقته ما يزيد على الساعتين، كنت خلالهما  حريصاً على أن أستقي منه أكبر قدر من المعلومات التي أستطيع بها تكوين رؤية عن وضع التنظيم ومصيره ومستقبله، والطريقة التي يفكر بها قادة الجماعة في محاولة العودة للمشهد، ونظرتهم للشارع المصري. 
 
توقعت في البداية أنه سيتبنى منهج المراوغة والهروب أثناء الحوار المطول الذي بدت عليه سمات "الدردشة"، بعيداً عن المزيج الصحافي، لكنه فاجأني بنوع من الغرور والتباهي باستراتيجية التعامل التي قررتها الجماعة في مواجهة النظام السياسي المصري، ابتداءً من تدمير المنشآت الحيوية، واختراق قاعدة بيانات وزارة الداخلية، وتشكيل كيانات جديدة تستهدف تنفيذ مخطط اغتيال الشخصيات العامة، واستمرار العمليات المسلحة ضد المؤسسات السيادية.
 
 أبلغني أن التنظيم الإخواني يعتمد في مشروعه لإسقاط النظام المصري على وثيقة خاصة كتبها سيد قطب، تسمى "رد الاعتداء عن الحركة الإسلامية"، تبيح تفكيك مؤسسات الدولة واستهداف رموزها، من خلال استراتيجية "النكاية والإنهاك"، تحقيقاً لفرضية "التمكين".
 
ربما تدرك من اللحظة الأولى أنك أمام شخص مصاب بحالة هذيان وارتباك نفسي نتيجة السقوط المدوي الذي نال من الجماعة وأركان تنظيمها السري، لكن استوقفتني جملته العابرة "سنعمل على توريط نظام السيسي"، مستكملاً حديثه في توازن وثبات، من أن مشروع الجماعة يتضمن هدفاً محورياً سيضع النظام السياسي في حالة من التباكي والحرج، يدفع الدول الأوروبية لقطع علاقتها بالدولة المصرية، من خلال تنفيذ عمليات ضد السفارات الأجنبية ومثليها ورعاياها بالقاهرة. 
 
لم تمض أيام قليلة على الحوار مع الشاب الإخواني (الهارب حالياً إلى تركيا)، حتى بدت ملامحه في الظهور من خلال اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات على يد الجناح المسلح للإخوان في 29 حزيران (يونيو) 2015، وإعلان حركة "العقاب الثوري" نهاية عام 2015، تنفيذ 124 عملية مسلحة في فترة زمنية لا تتعدى 6 أشهر.
 
وتم تشكيل حركة "لواء الثورة"، وحركة "حسم"، اللتين نفذتا مجموعة من العمليات المسلحة ضد رموز الدولة المصرية، منها محاولة اغتيال المفتي السابق الدكتور علي جمعة في آب (أغسطس) 2016، واغتيال العميد أركان حرب عادل رجائي، قائد الفرقة التاسعة مدرعات في تشرين الأول (أكتوبر) 2016، ومحاولة اغتيال النائب العام المساعد زكريا عبد العزيز في الشهر نفسه، فضلاً عن العشرات من العمليات الإرهابية التى ختمت بتفجير معهد الأورام في القاهرة في آب (أغسطس) 2019، عن طريق سيارة مفخخة.
 ما يعني أنه لا يمكن بحال فصل عملية مقتل ريجيني في شباط (فبراير) 2016 عن جماعة الإخوان ومخططها، لا سيما أن "التلفزيون العربي" الذي يبث من لندن، اعتاد الهجوم على الدولة المصرية، اتساقاً مع تبنيه أجندة التنظيم الدولي في الكثير من الملفات السياسية والفكرية المتعلقة بالنظام المصري، نظراً الى سيطرة قيادات إخوانية على سياسته التحريرية.
 
التقرير المتلفز أعده وأشرف على محتواه الصحافي الإخواني عبد المنعم محمود، الذي كان بمثابة إحدى الأدوات التي استخدمتها الجماعة منذ عام 2007، في محاولة اختراق الوسط الصحافي والإعلامي في القاهرة، لا سيما التجمعات المحسوبة على القوى اليسارية المصرية ودوائرها، متبنياً منهجية "الإخواني الليبرالي"،من خلال نقد التنظيم وقياداته، كما كان ذراعاً لإحدى الجبهات التي سيطرت على مكتب الإرشاد، في مرحلة ما قبل سقوط نظام الرئيس مبارك، نظراً لعلاقته الوثيقة بكل من مهدي عاكف، وخيرت الشاطر. 
 
كان عبد المنعم محمود، من العاملين في لجنة "الصحافة والإعلام" التي شكلها التنظيم الإخواني لاختراق المؤسسات الصحافية والإعلامية، فتم زرعه في صحيفة "الدستور"، التي أسسها الكاتب المصري إبراهيم عيسى، ولزيادة تمكينه داخلها مُررت له مخلتف المعلومات والأخبار المعنية بالجماعة وقياداتها، الى جانب علاقته بالباحث السياسي الأميركي مارك لنش، أحد المساهمين في تدريب الشباب من خلال ورش العمل في "أكاديمية التغيير" الإخوانية، على تكتيكات الثورات الشعبية والتمرد والعصيان المدني، تحت إشراف جاسم بن سلطان، بهدف ترتيب المشهد الداخلي خلال حوادث  كانون الثاني (يناير) 2011،  وتحريك الشارع ضد نظام  الرئيس مبارك، تحت لافتة الحريات والديموقراطية.
 
مواقف الإخوان وسلوكياتهم العدائية عادة ما تفضح نياتهم الدفينة التي تخبئ في طياتها الكراهية للدولة المصرية، حكومة وشعباً، وفقاً لأدبيات التيار القطبي، وانطلاقاً من أيديولوجية ثأرية نفسية، مشمولة بفكرة العقاب الإلهي، عبر ما يُعرف بسيكولوجية "التأثير النفسي"، في التعامل مع ملفات النظام المصري، الذي استطاع تدمير البنية الاقتصادية والتنظيمية للجماعة ومشروعها.  






 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم