إعلان

"الإخوان المسلمون"... المفككون

المصدر: النهار العربي
منير أديب
منير أديب
محمود الزهار مخاطباً احتفال "الإخوان" في اسطنبول عبر فيديو مسجّل.
محمود الزهار مخاطباً احتفال "الإخوان" في اسطنبول عبر فيديو مسجّل.
A+ A-
تمر حركة "الإخوان المسلمين" بحالة تفكك تنظيمي، فما عادت الجماعة التي تحملت بنيتها المواجهة طيلة عقود مضت قادرة على أن تتحمل أكثر من ذلك، فالتنظيم يمر بمرحلة شيخوخة متأخرة بعدما وصل عمره إلى أربعة وتسعين عاماً. عاش شبابه في أكثر من خمس وثمانين دولة. كثر خُطّاب التنظيم ومريدوه من الأنظمة السياسية، سواء العربية أم غير العربية، ووضعت بعض أجهزة الأمن والاستخبارات يدها في يده، وهو ما ساعده في أن يستمر هذا الوقت الطويل وأن يتمتع بهذه الحياة طيلة عشرة عقود، حتى ضرب جسده السرطان، ذلك المرض "اللعين" بعدما شاخت خلاياه ولم تعد قادرة على النمو بالصورة الطبيعية.
 
ما أصاب تنظيم "الإخوان المسلمين" أصاب تنظيمات أخرى، ولكن في أوقات مبكرة من حياتها، غير أن هذه الجماعة كُتب لها العمر المديد، لأنه لا توجد رؤية تتعلق بمواجهتها ولا مواجهة إنتاجها الفكري والفقهي، فباتت أفكار التنظيم تعشش في دوائر الربط العام التي كانت الجماعة تحرص عليها؛ هذه الدوائر تمثل خط الدفاع الأول عن التنظيم، فضلاً عن الدفاع عن الجماعة على طريقة "أنا مش "إخوان" ولكن بحبهم"، إذ يتم استخدام هذه "الدوائر" في الحشد والتصويت وإدارة اللجان الإلكترونية والدعاية التنظيمية، فدور بعض دوائر "ربط الإخوان" قد يكون أهم من دور بعض "الإخوان"!
 
"الإخوان" ليسوا تنظيماً واحداً، نحن نتحدث عن جماعتين، كل منهما تدعي أنها الشرعية، وتمارس حقها في الاغتيال المعنوي للجبهة الأخرى المناوئة. الجماعة باتت مفككة بين جبهتين كبيرتين، كلٍ منهما تنفي الأخرى، فضلاً عن وجود جبهة "الكماليين" وهي الجبهة الثالثة التي قررت أن تستخدم العنف بوازع من التربية التي شكلت عقل كل "الإخوان" ووجدانهم، وتضاف جبهة رابعة جزء منها قرر تجميد عضويته داخل التنظيم والجزء الأكبر فر منه ولم يبقَ إلا جزء ثالث قرر أن يُحسن الظن به وأن يستمر في مبايعة الفكرة بغض النظر عن الإنحياز التنظيمي لجبهة "منير" أو "حسين"!
 
عقد "الإخوان المسلمون" في عام 2019 مؤتمراً عاماً لمناسبة ذكرى مرور تسعين عاماً على النشأة، حضره عدد كبير من مراقبي الأقطار، فضلاً عن شخصيات بارزة في التنظيم الدولي من أبرزهم خالد مشعل؛ هذا المؤتمر حاول أن يقدم نفسه للنظام السياسي في مصر بأنه الممثل الشرعي للتنظيم بعدما تسرب "الكماليون" إلى هياكل التنظيم وباتوا هم الأعلى صوتاً، وكان الهدف من المؤتمر الذي قدم مراجعات في نطاق ضيق من خلال نقاش بعض لجانه هو تقديم نفسه للنظام السياسي في مصر كبديل لجبهة "الكماليين".
 
من أهداف عقد المؤتمر الذي استمر أياماً أن يُعلن المجتمعون أنه لا جماعة داخل التنظيم غير تلك التي يجتمع قادتها في العاصمة التركية وقتها، وما أن إنتهى المؤتمر حتى دبت الخلافات، ولكنها لم تكن مجرد اختلافات في وجهات النظر، بل كانت أشبه بما فرق بين جبهة "الجماعة" في مؤتمر 2019 وبين جبهة "الكماليين"، وهنا رفعت جبهة محمود حسين شعار الثأر لنفسها، أمام جبهة إبراهيم منير، والتي كانت ولا تزال تبحث عن أي تسوية مع النظام السياسي في مصر بأي ثمن.
 
وسط خلافات "الإخوان" كانت اتهامات بالعمالة والخيانة، اتهامات وصلت الى الذمة المالية والشرف، فوجدنا كل جبهة ترشق الجبهة الأخرى بأنها تعمل لمصلحة أجهزة استخبارات تسميها. وسط الحرب الداخلية كانت الإقالات والتجسس، حتى عندما نما إلى علم جبهة محمود حسين أن جبهة غريمه إبراهيم منير، عازمة على عقد مؤتمر للاحتفال بمرور 94 عاماً على التأسيس، قامت جبهة حسين بالإعلان عن مؤتمرها قبل الموعد المقرر أن يعقد فيه منير مؤتمره بنحو إسبوع، ما دفع الأخير الى تأجيله لما بعد شهر رمضان، وهناك مؤشرات الى الاكتفاء بالإفطار الذي أعلن في الثالث من شهر رمضان الموافق 4 نيسان (إبريل).
 
المبارزة بين الجبهتين لم تنتهِ عند هذا الحد، بل قامت جبهة محمود حسين بإستضافة محمود الزهار، أحد قادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" فرع التنظيم في فلسطين للحديث عن الاحتفالية. قال الزهار إن صحافياً من قناة "وطن" المملوكة لـ"الإخوان" - جبهة محمود حسين، أوحى له بأن المادة المسجلة معه هي لغرض "تسجيلي" غير أنه تفاجأ ببثها في احتفالية "الإخوان" - جبهة محمود حسين، وهو ما دفعه (الزهار) للتنكر للسياق الذي وضعت فيه المادة المسجلة، مع العلم أنه كان يعلم بالفاعلية وذكر ذلك في تسجيله وشكر القائمين عليها. لهذا المستوى وصل "الإخوان"، فهم أفلسوا من كل شيء حتى القيم التي كانوا يدعون حملها.
 
اختيار محمود الزهار لإلقاء كلمة مسجلة في احتفالية جبهة محمود حسين ربما يعود الى مواقف الرجل المناصرة لهذه الجبهة، فهو يحمل الجنسية المصرية ويرى أحقية حسين في إدارة دفة التنظيم، غير أن قادة "حماس" ضغطوا على الزهار للتبرؤ من هذا السياق الذي وضع فيه كلامه، وهدف الحركة هنا ألا تكون جزءاً من جدالات "الإخوان" وخلافاتهم.
 
"الإخوان" لم يعودوا تنظيماً بالمعنى المتعارف عليه للتنظيم، وإذا كان فهو تنظيم مفكك ومتهاوٍ، تنظيم يأكل بعضه بعضاً مثل الخلايا السرطانية. هذه الخلايا تقضي على نظيرتها السليمة، حالات مرضية كهذه تنتهي في الغالب بالوفاة، وهو ما نتوقعه لتنظيم "الإخوان المسلمين". صحيح أن التنظيم يواجه مرض "الموت"، ولكنه لا يزال حياً ويسعى الى أن يظل محتفظاً بحياته هذه، معتقداً أنه سيُجدد خلاياه الفاسدة بخلايا أكثر حيوية كما كان يفعل في السابق عبر عقود مضت.
 
إلى هذه اللحظة قد نعتبر أن ما يمر به التنظيم مجرد تفاعلات داخلية ولكنها مميتة، وعلى قدر خطورتها تبقى بلا أثر ما لم تتبعها مواجهة، ولكن بتفكيك أفكار التنظيم التي لا تزال تحيا هي الأخرى، وقد تكون هذه الخلايا هي الأخطر بطبيعة الحال. فالأفكار هي القادرة على إحياء التنظيم وإحياء نشاطه، إذ عندما يشعر "الإخوان" بالخطر على التنظيم يلتمون على الفكرة ويحاولون أن يحافظوا عليها، ومهما حدث للتنظيم يستطيعون أن يعيدوه مرة أخرى ولكن من خلال الأفكار التي هي الأخطر ولعلها الأهم من مواجهة التنظيم نفسه.
 
كثير من عواصمنا العربية واجهت تنظيم "الإخوان المسلمين" ونجحت في كسر شعبيته وبدا هذا الانكسار واضحاً عبر صناديق الانتخابات التي سقط فيها "الإخوان"؛ ولم تبذل مجهوداً في تفكيك الأفكار، كما ينبغي، ولهذا يعود التنظيم في هذه البلدان، بخاصة أن أفكاره لا تزال حية.
 
فمن كان جاداً في المواجهة عليه مواجهة الفكرة والسعي الى تفكيكها، وأي مواجهة لا تتعرض للفكرة فإنها كالحرث في البحر لا طائل من ورائها، الفكرة في تأثيرها بالنسبة الى التنظيم بمثابة قنبلة هيدروجينية مقابل صاروخ كروز، لا مقارنة، هذه لا تبقي ولا تذر بينما الآخر يحُدث مجرد حفرة صغيرة في الهدف وقد لا يُصيبه. الفكرة هي سر التنظيم وتفكيكها لا بد من أن يسير بالتوازي مع التنظيم وقد يسبق مواجهته نظراً الى خطورتها وتأثيرها. هذه المواجهة لا بد من أن يشترك فيها المجتمع بأكمله، من تعليم وإعلام وثقافة ومؤسسة دينية ومجتمع مدني، كل هؤلاء وغيرهم لهم دور في تفكيك الأفكار.
 
"الإخوان" لن يعودوا الى الواجهة من جديد ولن يشاركوا في تشكيل عقول النّاس كما كانوا من قبل. الجماعة عندما سقطت كان سقوطها أخلاقياً في المقام الأول، سقط مشروعها الفكري قبل أن تسقط سياسياً. السقوط السياسي كان انعكاساً للسقوط الفكري. هذا السقوط ليس كفيلاً بانهيار التنظيم، ولكن لا بد من مشروع جديد يتعلق بتفكيك الأفكار، ولذلك من كان جاداً في مواجهة تنظيمات الإسلام السياسي وفي مقدمها "الإخوان المسلمون" فعليه أن يسعى إلى دعم كل مشاريع التفكيك، وعدم الاقتصار على مواجهة تنظيم يهوي في مهالك الردى. من المهم وجود قاعدة بيانات تساعد في مواجهة التنظيم لكن الأهم منها جاهزية أفكار المواجهة، بحيث تكون قادرة على التفكيك بقدر عمق هذه الأفكار وهو ما نفصل فيه القول لاحقاً.

 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم