إعلان

ديموقراطي والعياذ بالله!

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
 
علاقة المجتمعات المتخلفة بعدد من المفاهيم التي تبلورت في سياقات ثقافية وحضارية وفكرية وتاريخية مغايرة، كانت دائماً علاقة صدام ومواجهة، خذ عندك مفاهيم مثل الديموقراطية، الحرية، العدالة الاجتماعية، حقوق الإنسان، والتعددية.. هي كلها مفاهيم نشأت وتطورت في سياقات غربية؛ سياقات ثورات كبرى تاريخية مثل الثورتين الفرنسية والأميركية، وهي ثورات ما زالت ممتدة إلى اليوم بأشكال مختلفة، أنتجت لنا ما أنتجت مما نتوافر عليه اليوم من تراث علمي وفلسفي عظيم غيّر مسار الإنسانية ككل، هذا لا يعني بالطبع أن ثقافات أخرى لم تسهم في هذا التراكم الذي حققته الإنسانية، يكفي الحديث مثلاً عن ابن رشد والفارابي وابن سينا وابن موسى وابن ميمون، والخوارزمي الذي من دونه لا يمكن الحديث عن روبوتات أو ذكاء اصطناعي.
 
الديموقراطية من المفاهيم التي استعصت على مجتمعاتنا منذ أزيد من قرن من الزمان، بحيث فشلت كل المحاولات التي قادها الرواد في بدايات القرن الماضي، من دستور مصر سنة 1906 إلى مشروع الدستور المغربي سنة 1908، وساهمت الهجمة الكولونيالية الغربية، في وضع سؤال الديموقراطية في ذيل الاهتمامات التي سيطرت عليها الرغبة في الانعتاق و"الحرية" من الاستعمار، سواء البريطاني أم الفرنسي أم الإيطالي، وعندما تحققت موجة الاستقلال المبتور، سقطت معظم دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، في يد أنظمة في معظمها شمولية أو تابعة ظلت مترددة في الاختيار الديموقراطي، وحتى التجارب القليلة الليبرالية التي كان يمكن أن تفتح طريقاً في اتجاه مستقبل ديموقراطي وتنموي أفضل، سرعان ما دهستها الأحذية العسكرية تحت شعارات الممانعة والتحرر ومواجهة الإمبريالية، وكان لظهور إسرائيل وسط المنطقة، وقع سلبي ساهم في نشر موضة الانقلابات العسكرية التي رفعت شعارات التحرر ولم تستطع أن تحرر في النهاية ولو شبراً واحداً من الأراضي المحتلة.
 
شكل الجهل الطريق الذي قاد إلى جعل الديموقراطية منبوذة أو في أفضل الأحوال ليست ذات أولوية، وقد اشتركت في ذلك الأنظمة مع الأفراد. تروي حكاية مصرية بليغة أنه في عام 1913، رشح الأستاذ أحمد لطفي السيد نفسه لعضوية مجلس الشعب، وذلك في مركز السنبلاوين، أحد مراكز محافظة الدقهلية، وكانت عائلة السيد من كبريات العائلات في المنطقة، والأستاذ لطفي كان أحد أعضاء حزب "الوفد" إلى جانب سعد زغلول والشعراوي وعبد العزيز فهمي وآخرين، كما يعتبر الأب المؤسس لجامعة القاهرة حالياً التي كانت في الأصل استثماراً خاصاً للطفي السيد، كما كان يلقب بأستاذ الجيل، فهو الذي تبنى ودافع عن الاختيار الليبرالي.
 
نظراً الى انشغالات لطفي السيد في القاهرة، لم يستطع مواكبة حملته الانتخابية وترك الأمر لمناصريه، لكن خصمه تفتق دهاؤه عن دعاية مسمومة لجعل الناس تنفر من لطفي السيد، فقد أشاع في الناس أن الأستاذ السيد "ديموقراطي والعياذ بالله"، لم يكن الناس يعرفون معنى ديموقراطي، لكن إقرانها بعبارة "والعياذ بالله" يعني أنها أمر جلل وفيها ما يخالف شرع الله، البعض بدأ يقول "أستغفر الله العظيم"، أما أنصار لطفي السيد والمتعاطفون معه، فكانوا يسعون لدفع "تهمة" ديموقراطي، بتأكيدهم على أصول الأستاذ ونسبه والقسم بأغلظ الأيمان، أنه يؤمن بالله ويؤدي الصلاة ويصوم رمضان.
 
خصم لطفي السيد كان يقول إنه لم يكن ليصدّق أن الأستاذ ديموقراطي، لو لم يسمعها من فمه، واختصاراً للحيرة التي استبدّت بأهل المركز، طلب منهم لقاء لطفي السيد، وطرح السؤال الآتي عليه: "هل أنت ديموقراطي"؟ 
 
لطفي السيد، بعدما تكررت الاتصالات به من أنصاره وإلحاحهم على ضرورة تواصله المباشر مع أهل المركز، ضرب لهم موعداً لعقد تجمع انتخابي كبير، فكان له ذلك، حضره جمع غفير من أهل المنطقة، وعند انطلاق الجمع الانتخابي، قاطع أحد الحضور مراسيم التقديم والشكليات التي تحيط بالتجمعات الانتخابية، متحدثاً باسم كل الحاضرين، طالباً جواباً صريحاً من لطفي السيد عن سؤال وحيد: "هل أنت ديموقراطي"؟ فما كان من الأستاذ الجليل سوى التأكيد أنه ديموقراطي وسيظل يدافع عن الديموقراطية، باقي الحكاية أن لطفي السيد خسر الانتخابات ومبلغ الضمان، لا لشيء سوى لأنه ديموقراطي... 
 
هذه الصورة، لا تختصر فقط ماضي معاناة بناء الديموقراطية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل تقدم درساً بليغاً في ضرورة قيام ثورة ثقافية وفكرية تمسّ البنيات العميقة للمجتمع والدولة، بما يسمح لها باحتضان التحديث والديموقراطية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم