إعلان

استمرار نتنياهو لا يضمن الاستقرار لإسرائيل

المصدر: النهار العربي
مهى سمارة
نتنياهو يقترع
نتنياهو يقترع
A+ A-
أكدت الانتخابات الإسرائيلية الرابعة المؤكد: إسرائيل مجتمع يميني الهوى، حاضراً ومستقبلاً، ديني التوجه وعنصري صهيوني التركيب. برغم الانقسامات والشرذمات الحادة، والجميع متمسك بيهودية الدولة القوية وعدم التنازل عن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وباعتبارها جزءاً من إسرائيل. 
 
 خرج نتنياهو من المعركة الانتخابية منتصراً. وحظوظه أكبر من أي شخصية أخرى لتأليف حكومة يمينية ضيّقة. وتكتل الليكود لا يزال القوة النافذة لإيصال رؤساء الحكومات.
 
برغم النتائج غير النهائية وغير الرسمية والضبابية، انخفضت المنافسة داخل الليكود لمصلحة نتنياهو. الفضل في ذلك الى الأحزاب الصغرى والى النظام الانتخابي الذي يمنح الأحزاب الصغرى فرصة الدخول الى البرلمان وتوزيع المقاعد، ما يجعل حصول الأحزاب الكبرى على فرصة لتأليف حكومة أغلبية صعباً. إذا استطاع نتنياهو تأليف حكومة من 61 أو 62 صوتاً يكون حقيقة ملك إسرائيل الذي استطاع التربع على السلطة اثني عشر عاماً منذ 2009. وإذا لم يتمكن يعني أن إسرائيل ستتوجه الى انتخابات خامسة في آب (أغسطس) المقبل.
 
المعركة الانتخابية انحصرت داخل الليكود ومعسكر اليمين، لأن اليسار تلاشت حظوظه وغاب حضوره لأكثر من عقدين منذ اغتيال إسحق رابين. الأحزاب الدينية الصغرى هي سيدة اللعبة، وإسرائيل، الى أجل غير مسمى، تبقى رهينة الأحزاب اليمينية الدينية المتطرفة حاضراً ومستقبلاً.
 
سدد نتنياهو ضربات موجعة الى خصومه واحداً واحداً. وتحول دراكولا سياسياً لا أحد يستطيع منافسته. نهش ضحاياه وابتلعهم واحداً واحداً. أولهم بيني غانتس، زعيم حزب "أزرق أبيض" الذي نكث بوعوده الانتخابية في الانتخابات الثالثة عندما حصل على 34 مقعداً. وبدلاً من إسقاط نتنياهو انضم اليه. غدر نتنياهو بحليفه وتنكّر لاتفاق التناوب الذي عُقد بينهما وحرمه من رئاسة الحكومة بعد تقصير عمرها الى عشرة شهور والتوجه الى الانتخابات الرابعة. سذاجة غانتس السياسية وضعف شخصيته قاداه هذه المرة الى التحالف مع جماعة مئير كاهانا المتطرفة، ما قضى على مستقبله السياسي بل أنهى حياته السياسية.
 
استطاع نتنياهو حصار منافسة الليكودي جدعون ساعر الذي لم يستطع حزبه المنشق الحصول على أكثر من سبعة مقاعد فقط. والخصم الثالث الذي استهدفه نتنياهو هو أفيفدور ليبرمان الذي خبا تأثيره. منافساه الآن هما ليبيد وبينيث. والاثنان طامحان الى رئاسة الوزراء. وبرغم انتصارات نتنياهو ليست الساحة خالية له للاستفادة من الأوراق العديدة في يديه، وتصويرها نصراً مبيناً لحذاقته وسرعة تحركاته ومناوراته.
 
حاول نتنياهو استعمال التلقيح والتطبيع في حملته الانتخابية. بفضله ونفوذه واتصالاته الدولية أمّن اللقاح باكراً ضد كوفيد 19، وتميزت إسرائيل بأنها الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية التي لقحت مواطنيها بعدما فتكت الجائحة بقاعدة المتدينين. حاول أيضاً، وبدرجة أقل، الاستفادة من ورقة التطبيع مع أربع دول عربية. إلا أن الرئيس بايدن  حال دون زيارة نتنياهو أبو ظبي والتقاط صورة مع حاكمها لاستعمالها في الانتخابات. 
 
غابت الأيديولوجيا كلياً عن الانتخابات الإسرائيلية هذه المرة، وركزت الحملة على التنافس الشخصي بين نتنياهو وخصومه. كما لم يكن للصراع العربي الإسرائيلي والمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية المجمدة أي ذكر في هذه الحملة. لا شك بأن الانتخابات الرابعة في سنتين هي استثنائية، إذ استفاد نتنياهو من تأييد ترامب له ولم يجر أي ذكر لصفقة القرن لا من قريب ولا من بعيد، وكأن المنتظر في عهد بايدن تجاهلها أو عدم إعطائها الوهج والأهمية اللذين كانا سائدين في عهد سلفه.
 
الاختراق الكبير الذي حققه نتنياهو هذه المرة هو استمالة الحركة الإسلامية. وهي فرع من الإخوان المسلمين، بقيادة منصور عباس، لشرذمة الأصوات العربية وزرع الشقاق في الكتلة العربية الموحدة. استطاع نتنياهو شرذمة الصوت العربي وتخفيف وزنه بما يتناسب مع حجمه (مليون ونصف مليون إنسان) الذين يشكلون 19% من مجموع سكان إسرائيل. بحنكته المعهودة وخبرته السياسية والانتخابية الطويلة استطاع نتنياهو الحد من نجاح الكتلة العربية الموحدة بقيادة أيمن عودة ومنعها من أن تكون الكتلة الثالثة في الكنيست. في الانتخابات الثالثة الماضية استطاعت الكتلة العربية الموحدة والمؤلفة من أربعة أحزاب أن تحصل على 15 مقعداً. الانقسام الحالي خفض عدد المقاعد الى 10 أو 12 وقلص حماسة الشباب الفلسطيني للتوجه الى صناديق الاقتراع كالسابق. ولا شك أيضاً في أن جائحة كورونا والوضع الاقتصادي الصعب وغياب المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية المجمدة منذ أربع سنوات برّدت من حماسة الشباب وأبقتهم في منازلهم.
 
أصر منصور عباس على التفرد والانشقاق عن الكتلة العربية المشتركة، لاعتقاده أنه سيحقق خدمات بلدية وحياتية شتى من تحالفه مع نتنياهو، فتقلصت قوة القائمة وتأثيرها في الحياة السياسية الإسرائيلية دعماً للمساواة والديموقراطية وقضايا السلام. 

الوحدة في الانتخابات الماضية أدت الى بروز نهضة ويقظة سياسية لعرب 1948. لو استمرت هذه المرة لكانت قد حققت فوزاً، في نظر الاستطلاعات، يفوق 18 مقعداً وحضوراً وازناً في الكنيست. والسؤال: هل سيستعين نتنياهو بالأصوات الخمسة أو الأربعة التي حققتها جماعة منصور عباس إذا انحشر وكان في حاجة اليها لتأمين تأليف الحكومة!!! نتنياهو معروف بأنه وصولي وبراغماتي وميكيافيللي مستعد لاستعمال أي وسيلة للوصول الى غايته - البقاء في السلطة. وتكون أول مرة يدخل العرب الى الحكومة الإسرائيلية، لكن هذا مستبعد وصعب على الإسرائيليين هضمه.
 
حتى الآن استطاع الليكود تجميع 59 صوتاً مقابل 57 للمعارضة. بيضة القبان وصانع الملوك سيكون، برأي المحللين، نفثالي بينيث الذي فاز حزبه بسبعة مقاعد. بينيث يميني متعصب ومتطرف أيضاً يريد طرد العرب من إسرائيل وعدم السماح للمثليين بالعيش في إسرائيل. ربما ستكون عنده طموحات سياسية لخلافة نتنياهو. وغير معروفة شروطه للانضمام الى نتنياهو أو لا. ربما سيطلب تجديد تجربة المناوبة في رئاسة الحكومة وتقاسم السلطة دورياً مع نتنياهو أو الاكتفاء بإسناد وزارات مهمة له ولأنصاره. 
 
الانتخابات الرابعة جاءت نصراً لنتنياهو يدعو خصومه للاعتراف بالفشل. برغم تدني نسبة الاقتراع بسبب الجائحة وسأم الإسرائيليين من التوجه الى الانتخابات كل ستة شهور، يتطلع هؤلاء الى الاستقرار بوجود حكومة قوية متجانسة تحسّن الاقتصاد وتؤمّن الأمن. التحدي الأكبر لنتنياهو هو الحد من سلطة القضاء لتلاقي المحاكمة بتهم الفساد والرشوة وسوء الائتمان الموجهة ضده. ولولا بقاؤه في السلطة لجرت محاكمته وربما إدانته. إصلاح القضاء مادة جدلية كبرى في إسرائيل، فأغلبية الإسرائيليين يعتقدون أن القضاء هو حامي الديموقراطية، إلا أن الأسئلة المطروحة عن مستقبل إسرائيل وأي إسرائيل يريدون: يهودية أم ديموقراطية؟ وما هي رؤية نتنياهو لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟ دولة واحدة في نهاية المطاف وأي تعايش يقترح للفلسطينيين إذا فعلاً أصبح حل الدولتين متعذراً؟ الاستمرار لا يضمن الاستقرار والإسرائيليون مطلوب منهم التفكير والتقكير الكثير بالمستقبل لهم ولغيرهم. 
  
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم