إعلان

السودان وإثيوبيا... الرقص على حافة الحرب!

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
منطقة الفشقة
منطقة الفشقة
A+ A-
لم يعد سد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق، سبباً وحيداً لاحتمال نشوب حربٍ بين الخرطوم وأديس أبابا. إذ إن التطورات الحدودية منذ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، فاقمت التوتر بين الجانبين إلى الحد الذي بات يخشى معه المراقبون اندلاع نزاع حدودي ساخن آخر في القرن الأفريقي.
 
بعد الحرب التي شنها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لجأ ما يربو على 50 ألف إثيوبي من إقليم تيغراي إلى ولاية القضارف شرق السودان. وفي الشهر نفسه، دخل الجيش السوداني إلى منطقة الفشقة الحدودية المتنازع عليها مع إثيوبيا، والتي تختلف سردية كل طرف حول وضعها القانوني. وتلت ذلك مناوشات حدودية واتهامات متبادلة بخرق الحدود.
 
وتؤكد الخرطوم أن الفشقة أرض سودانية بموجب اتفاقات لترسيم الحدود عام 1902 بين السودان (الذي كان محتلاً من بريطانيا) وإثيوبيا. لكن الرواية لا تنتهي عند هذا الحد. فالسودان سمح لمزارعين إثيوبيين بالبقاء في المنطقة واستغلالها، بينما يبقى الجيش السوداني خارجها على رغم أنها أراضٍ تقع تحت سيادة السودان. ويقال أن المقايضة التي جرت عامذاك كانت تقضي بمنح إقليم بني شنقول السوداني لإثيوبيا في مقابل اعتراف أديس أبابا بالسيادة السودانية على الفشقة.
 
هذه الوضعية لمنطقة الفشقة لا تعترف بها إثيوبيا، التي تعتبرها جزءاً من أراضيها، وتالياً تعتبر أن السودان قد انتهك حدودها عندما أدخل جيشه إليها في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي "مستغلاً" انشغال القوات الإثيوبية بالحملة التي شنتها لإخضاع تمرد "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي".
 
وعند هذا الحد، ارتفع منسوب التوتر بين الجارين، وأعلن كل منهما عن التعبئة، وتفقد رئيس المجلس السيادي الحاكم في السودان الفريق عبدالفتاح البرهان الحدود، مؤكداً عزم الجيش السوداني على عدم الانسحاب من الفشقة، بينما كانت الحكومة الإثيوبية تطالب الخرطوم بالعودة إلى الوضع السابق الذي كان سارياً قبل تشرين الثاني (نوفمبر) 2020.
 
وتغمز أديس أبابا من قناة مصر عندما تقول إنها تتهم "طرفاً ثالثاً" بالتدخل في النزاع الحدودي مع السودان. وبحسب وجهة النظر الإثيوبية لمسار الأحداث، فإن مصر التي تعارض مضي إثيوبيا في ملء سد النهضة من جانب واحد من دون اتفاق مع القاهرة والخرطوم، هي التي تحض السودان على إثارة التوتر الحدودي مع إثيوبيا، كوسيلة لحمل الأخيرة على تقديم تنازلات في ما يتعلق بسد النهضة. ويثير المسؤولون الإثيوبيون تساؤلات عن سبب المناورات الجوية المشتركة التي أجراها الجيشان السوداني والمصري في شمال السودان أواخر العام الماضي، ويعتبرون ذلك بمثابة رسالة تحذير إلى أديس أبابا على خلفية سد النهضة.
 
طبعاً، ينفي السودان أن تكون مصر هي التي تحرض على افتعال نزاع حدودي وربطه بملف سد النهضة، ويبني موقفه على أساس الحق القانوني والتاريخي المعطيان له بموجب المعاهدات الدولية.
 
على أن ثمة ناحية أخرى للنزاع، ألا وهي المتعلقة بتطورات إثيوبيا الداخلية وبالصراع على إقليم تيغراي. فمن المعلوم أن مساندة قومية الأمهرة الإثيوبية للحكومة الفدرالية، كان عاملاً حاسماً في بسط السيطرة على الإقليم. والمزارعون الإثيوبيون المقيمون في الفشقة التي تربط إقليم تيغراي بولاية القضارف السودانية، هم من قومية الأمهرة. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو، إلى أي مدى دفع الخوف السوداني من دخول الجيش الإثيوبي وميليشيات الأمهرة إلى الفشقة، الجيش السوداني إلى التحرك ودخول الفشقة قبل أن يدخلها الجيش الإثيوبي لدعم المزارعين من الأمهرة فيها؟
 
إنها قصة تداخل الحدود والتاريخ والقوميات والطموحات الشخصية لهذا الحاكم أو ذاك. وهذه من أكثر العوامل تفجيراً للحروب والنزاعات. وتاريخ التدخلات والتدخلات المضادة في الشؤون الداخلية لكل من السودان وإثيوبيا معروفة وقديمة، من حروب دارفور، إلى نزاع القوميات داخل إثيوبيا نفسها.
 
وعندما أخضع آبي أحمد قومية التيغراي في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، فإنه كان يغامر بفتح فصل جديد من النزاع القومي داخل بلاده، وهو نزاع من غير المضمون ألا يفيض عبر الحدود. وما يجري على حدود السودان اليوم، أكبر دليل على ذلك.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم