إعلان

هل يفعل الغاز بأفريقيا ما فعله الفحم بأوروبا؟

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
مسار خط أنابيب الغاز المغرب-نيجيريا
مسار خط أنابيب الغاز المغرب-نيجيريا
A+ A-
ألقى راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة ورئيس مجلس النواب التونسي، بحجرة كبيرة في بركة الاتحاد المغاربي، فقد صرح أن اتحاد المغرب العربي المتعثر منذ التأسيس يمكن أن ينطلق في مرحلة أولى بين تونس وليبيا والجزائر، مستثنياً بذلك كلاً من المغرب وموريتانيا، قبل ذلك بسنوات كان الملك محمد السادس قد نعى الاتحاد المغاربي في خطاب عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي وبصم على توجهات جديدة لحماية مصالح المغرب، خاصة في غرب أفريقيا. 

الغنوشي بلا شك يدرك أنه في العلاقات بين الدول غالباً ما تقف المصالح الاقتصادية وراء كثير من القرارات السياسية، زد على ذلك أن الجغرافية لم ترحم تونس، فقد أوقعتها على مدى عقود في كماشة بين نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، وبقايا نظام هواري بومدين في الجزائر، وهي إلى اليوم تعيش مخاطر عدم الاستقرار، ليس فقط لاعتبارات داخلية، بل أيضاً إلى طبيعة الجوار غير المستقر، لذلك لا لوم إذاً على الغنوشي، ففي زمن أفول الأيديولوجيات الكبرى، وفي ظل عالم متعدد الأقطاب، ومع زيادة الطلب الاجتماعي على الحكومات والأنظمة، فإن هذه الأخيرة تتصرف ببراغماتية عالية في بناء علاقاتها الخارجية ورسم تحالفاتها موظفة قدراتها الاقتصادية لخدمة مصالحها الاستراتيجية. 

يدرك المغرب أن أموال البترول الجزائري أثرت في سنوات سابقة على مواقف عدد من الدول الأفريقية بخصوص وحدته الترابية، ولأن العاهل المغربي أقر بوفاة الاتحاد المغاربي وصعوبة حلحلة وضعية الجمود التي هو عليها، في ظل استمرار بنية الحكم نفسها في الجزائر، فإنه يسعى منذ سنوات إلى التوظيف الذكي للجانب الاقتصادي في علاقاته الأفريقية، سواء من خلال دبلوماسية الفوسفات أو دبلوماسية الغاز الطبيعي عبر أنبوب الغاز المغربي النيجيري والذي سيعبر بلدان غرب أفريقيا ليصل العمق الأوروبي برهانات تتجاوز مصالح هذه الدول إلى القارة ككل، في استحضار للتجربة الأوروبية. 

بباريس سنة 1951، أي حوالي خمس سنوات ونصف سنة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية المدمّرة، تحققت فكرة وزير الخارجية الفرنسي في تلك الفترة شومان، والتي كانت تقوم على اندماج صناعة الصلب والحديد في كل من فرنسا وألمانيا، وهما معاً كانا طرفين رئيسين في الحرب، وترك البلدان الباب مفتوحاً لباقي دول غرب أوربا للانضمام، فتشكلت بذلك مجموعة أوروبية للصلب والحديد، وقد كان الغرض الاقتصادي لتلك المجموعة هو مراقبة إنتاج وتسويق الفحم والصلب، لكن أثره السياسي كان أكبر، حيث مهد الطريق إلى بناء سلّم مستدام، وإقلاع صناعي متوازن مبني على التعاون وليس على الصراع، وهو المسار الذي أوصل إلى قيام الاتحاد الأوروبي.

المغرب يفعل الشيء ذاته اليوم في أفريقيا، أو على الأقل يجرّب ذلك في بيئة تختلف كثيراً عن أوروبا، لكنها بالمقارنة لم تشهد حجم الحروب التي عرفتها القارة العجوز، فمشروع أنبوب الغاز الذي يربط المغرب ونيجيريا في مرحلة أولى ثم أوروبا في مرحلة ثانية، يعدّ مشروعاً إستراتيجياً يتجاوز البلدين المعنيين، بل حتى بلدان غرب أفريقيا التي سيعبرها، إلى المستوى الدولي، ما دام موضوع الطاقة يشكل دائماً أبرز مجالات الصراع والتنافس على المستوى الدولي.

 تشير الدراسات إلى أن الغاز الطبيعي سيتصدر مصادر الطاقة على المستوى العالمي سنة 2100، كما أن الرّهان على المستوى الدولي بخصوص تخفيض نسبة ثاني أوكسيد الكربون، يفرض البحث عن مصادر طاقة أقل تلويثاً، وهو ما يحققه الغاز الطبيعي الذي يلوّث أقل بـ29 في المئة من النفط و44 في المئة من الفحم، وما يفرض الغاز الطبيعي كبديل، يكمن في كون الاعتماد على الطاقات المتجددة ما زال في بداياته ويحتاج ثورة تنكولوجية لجعلها ممكنة الاستغلال على نطاق واسع بجدوى اقتصادية، فقد أصبح الغاز منذ بضع سنوات المصدر الأول للطاقة في دولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية.

هذه الأهمية المتزايدة للغاز الطبيعي، تجعله في قلب الصراعات المستقبلية على الساحة الدولية، بل إن جزءاً من الصراع حول سوريا اليوم، إنما يفسره الرغبة في التحكم في معابر الغاز في المستقبل، وخاصة في اتجاه أوروبا، حيث يشكل الغاز الطبيعي امتيازاً كبيراً لروسيا وعبره تريد استعادة موقعها في الساحة الدولية، وهو ما يتحقق اليوم بشكل لافت يتجاوز مناطق الصراع التقليدية، إلى القدرة على اختراق نخب وأنظمة سياسية كما يجري مع فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وطيف واسع من أقصى اليمين الأوروبي.

أنبوب الغاز المغرب نيجيريا بتكلفته التي تقدر بحوالي 50 مليار دولار والذي من أهدافه تموين الاتحاد الأوروبي بالغاز الطبيعي، يعتبر في أحد أبعاده منافسة للغاز الروسي، كما أنه يعزز استقلالية أوروبا الطاقية عن موسكو، وقد شكلت الأزمة الأوكرانية السابقة، نموذجاً عما يمكن أن يكون عليه الوضع في حالة استعمال روسيا ورقة الغاز الطبيعي...

يبقى السؤال: هل يستطيع المغرب جلب الدعم الأوربي وفي الوقت نفسه عدم وضع موسكو في موقع المنافس أو الخصم؟ خاصة مع التطور اللافت للعلاقات المغربية الروسية، وهل ستستمر أبوجا في هذا المشروع وتترك بصفة نهائية المشروع السابق الذي يجمعها مع الجزائر والذي ظل حبراً على ورق، علماً أنه أقل مسافة إلى أوروبا ولا يعبر دولاً كثيرة وبالنتيجة فهو أقل كلفة؟

المستقبل كفيل بالجواب عن هذه الأسئلة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم