إعلان

الموت على مرأى من المدينة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
رام الله
رام الله
A+ A-
هذا الأسبوع انتحر شاب على سطح البناية التي يسكنها مع عائلته في إحدى ضواحي رام الله، شاب على عتبة الثلاثين، يبدو محبوباً من أصدقائه وعائلته من الصدمة العميقة التي تركها رحيله المؤلم واختياره الشاق لإنهاء حياته.
 
تلك كانت وسيلته الأخيرة للاحتجاج على قسوة أن تكون شاباً ومحباً للحياة وعاطلاً من العمل في مدينة حيوية وملتبسة مثل رام الله، أن تصل الى قرار وجودي يتراكم في روحك بينما يواصل المتحدثون في الفضائية الرسمية ومجلس الوزراء وورش مؤسسات المجتمع المدني، شرح أفكار التنمية البشرية والتنمية "المستدامة" وأشياء أخرى عن الصمود في بث قادم من العالم الآخر، بالضبط من عالم افتراضي لا يطل على الشوارع أو أسطح البنايات التي تنمو كالفطر على تلال المدينة.
 
الانتحار اعتراض نهائي على مشقة الحياة، حاجة متراكمة ليد على الكتف، احتجاج عميق يصعد من العزلة، نوع من المحاكمة ... كل هذا مجتمعاً، ولكن انتحار شاب مؤهل في التاسعة والعشرين ومحبوب من أصدقائه وعائلته بسبب يأسه من وجود فرصة عمل، يتجاوز الاحتجاج والمحاكمة ويتحول إدانة، وحكماً. هذا ما فعله سلام عدوي الذي اختار مكاناً مطلاً على المدينة كما لو أنه يمنحها فرصة تأمله في تلك اللحظة، أو يمنح نفسه فرصة تأملها.
 
رحيل الشباب بهذه الطريقة ولهذه الأسباب، يترك ثغرة في حياتنا، يترك ذلك الشعور العميق بالخسارة، شعور يتجاوز الحزن والافتقاد ويذهب نحو ندم بعيد وإحساس غامض بالتقصير.
هذا ما يبقى، الثغرة التي لا جدوى من محاولة إغلاقها، الثغرة التي تتبعنا وتملأ صباحاتنا بسكوتها.
 
ينتحر الشباب في غزة كما ينتحرون في رام الله، ينتحرون في القرى ومناطق أ وب وسي، تصل الأخبار القاسية من هناك ولا تتوقف، وتتواصل تلك الثغرات في الظهور مثل ثقوب في مركب يواصل غرقه كأنما الغرق غايته.
لم يكن حادثاً. كان محاكمة لواقع البلاد وفشل إدارتها ومؤسساتها في توفير الحد الأدنى من الحقوق للشباب وهو العمل، غياب الدعم بحدوده الدنيا، غياب شبكة الأمان التي على "الدولة" متلقية الضرائب إقامتها وتحصينها لتوفير العمل أو بدائل البطالة، حيث تتجول مجاميع من الناس، مثل قصص موت معلنة في متاهة، مجردين من الحماية البسيطة.

هل يمكن الدخول من هذا الممر المؤلم، من موت شاب، لمحاسبة حجم التقصير المخيف الذي يدفع هؤلاء الشباب من ظهورهم نحو الحافة، نحو الموت بأشكاله؛ الضياع والخوف واليأس والغضب ....
 
في سيرة سلام عدوي المولود في مطلع تسعينات القرن الماضي خريج جامعة بير زيت، أنه حصل بشق الأنفس ولفترة محدودة على فرصة عمل مدرساً بديلاً في مدرسة تحمل اسم بشير البرغوثي، السياسي الشيوعي المعروف، قبل أن يعود لطرق أبواب المؤسسات بحثاً عن فرصة عمل، وسيعمل لفترة في مصنع أدوية مجاناً تقريباً، ولكنه سيخبر أحد أصدقائه أن هذا أفضل من البطالة والجلوس بلا معنى، لقد بذل جهداً في توضيح حاجته تلك وطرق الأبواب والنوافذ، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي.
 
"حد حواليه شغل الي"
هذا ما كتبه على صفحته الشهر الماضي وهو يقف أمام الهاوية.
تبدو "البطالة" في مدوّنة السلطة الفلسطينية وتقاريرها، وفي الأوراق الرسمية والإحصائيات كما لو أنها جزء من مسلّمات البلاد، مثل الطقس ومعدلات المطر، مثل الحقول والتلال والأودية، ومقدرة مثل الموت والحياة. في بلاد تتكئ بكامل ثقلها على "الاحتلال" عبر عشرات آلاف العمال الذين هجر معظمهم الزراعة، وتوجهوا الى المزارع والمصانع وورش البناء الإسرائيلية، آلاف أخرى لم تجد سبيلاً للعيش سوى العمل في المستعمرات المقامة على أراضيها.
 
تختفي الكارثة خلف الرقم 27% نسبة البطالة في فلسطين، وهي نسبة تكاد تكون ثابتة، قبل انتشار وباء "كورونا" وبعده، نسبة عالية جداً، ولكن في التفاصيل سنكتشف أن فئة الشباب (19-29) تصل الى 52%، هذه كارثة فعلاً. 
 
نسبة البطالة هي المؤشر الأكثر دقة الى أداء السلطة، أي سلطة، وعندما يصل الرقم الى خانتين فإن ذلك يعني فشل تلك السلطة وضرورة رحيلها، أما أن يتجاوز الـ20% فهذا يعني ضرورة محاسبة القائمين على الأمر، لقد تم تجاوز هذه الأرقام منذ زمن طويل.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم