إعلان

أنا خائف من ثقافة قبول الآخر

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
  باتت تُخيفني ثقافة قبول الآخر. 
تُربّي مدارس كثيرة في لبنان أولادها على قِيَم مجتمعيّة، هي في الحقيقة قيمٌ عالميّة، من مثل قبول الآخر المختلف، وتثمين التَنوُّع، وترويج ثقافة اللاعنف، وبثِّ ثقافة صنع السلام، وشرح فرادة "العيش معاً" اللبنانيّة بامتياز. وذَهَبت هذه المدارس إلى مرحلة متقدّمة في تربيتِها، فنظّمت وتنظّم باستمرار برامج تدريبٍ وتوعية حول هذه المفاهيم. حتّى في زمن "الأونلاين"، هي تفعل ذلك.
 
هذا رائع. لكن، ماذا عن أولاد المدارس التي لا تُعطي أهمّيةً لِقِيَمِ المواطَنة، والتي تثمّن، وبكثير من الجرأة، ثقافة "المناطقيّة" و"الزبائنيّة" و"الطوائفيّة" وحتّى "المذاهبيّة"؟ ماذا عن أولاد المدارس التي لا يخجل معلّموها من إبراز هويّاتهم السياسيّة "الفاقِعة" في معظم الأحيان أمام التلاميذ، في وقت لا تعتبر الإدارة أنّ في ذلك عيباً أو خطأ؟ ماذا عن أولاد المدارس التي تعتبر فيها الإدارة أنّ "أدْلَجَة" تلاميذها حول قضايا الوطن من منطلقٍ مناطقي أو طائفي أو حزبي أو مذهبي، هي جزءٌ لا يتجزّأ من رؤية المدرسة ورسالتها وقيمها؟ ماذا عن أولاد المدارس الذين يتخرّجون فيها من دون أن يكونوا قد شاركوا، ولو لمرّة واحدة في خلال سنيّ دراستهم، في لقاء مع نظراء لهم من منطقة أخرى وطائفة أخرى؟ 
 
لماذا هذه الأسئلة؟ ببساطة، لأنّني خائف. أنا خائف على أولاد المدارس التي تُثَمِّن كلّ القيم العالميّة أي الـ Universal Values، والتي طالما كان لبنان رائداً في عيشها. قد يكون في كلامي غرابة. هو كلام غريبٌ عن تاريخي وقناعاتي المزمنة ومضمون عملي في المدارس ومع الشبيبة وأهلهم ومربّيهم. إنّني خائف، وأقولها بالفم الملآن، أن نكونَ في هذه المدارس التي تُثَمِّن كلَّ ما يُبقي لبنان واحداً مُوَحَّداً، مُمَيَّزاً منيعاً، قد ربّينا أولادَنا لغربةٍ في وطنهم. أنا خائف أن يتفاجأ أولادُنا عندما ينتسبون إلى الجامعات، من أنّ عدداً لا يُستهان به من زملائهم لا يؤمن بالقيم نفسها، وأنّ رؤيتَه لأبسط قواعد نشوء الكيان اللبناني مختلفة جذريّاً، مع رؤيته هو. أخاف على أولادنا أن نكونَ قد ربَّيْناهم على عدم القدرة على مواجهة هذا الكَمّ والنوع من العنف كلاماً وسلوكاً. أنا خائف أن يرى أولادُنا أنفسَهم "أقليّة ثقافيّة" في وسط بحر هادر من التعصُّب واستفحال حالات الاستفزاز عند آخرين. 
 
ماذا يعني ذلك؟ هل نندم على ما نفعلُه في مدارسنا وهي تضمُّ أولاداً من كلِّ لبنان؟ لا سمح الله. ماذا إذاً؟ أنا أقترح خطّةَ تحرّكٍ كبيرة تقودها وزارة التربية والتعليم، وأعلم أنّها ترزح تحت ألف ثقلٍ، (شي مِنْ إيدا وشي من البلد)، بهدف الضغط على الرأي العام التربويّ في لبنان لكي تكونَ كلُّ المدارس، ومن دون استثناء، شريكةً في المساعي الآيلة إلى تخريج تلميذٍ لا يقبل الآخر المختلف فقط، بل يحبّه، أو على الأقل أن يحترمه، ويعتبره شريكاً كاملاً في الدولة والوطن والمواطنة. علينا أن نتحرّك، وبسرعة كبيرة، لكي نتأكّد مِنْ أنَّنا لا نربّي ولدَنا لغربة تجاه شريكه في الوطن، بل للقاء هذا الآخر وقبوله واحترامه وتطوير فعل شراكة يوميّ معه. عند ذاك، وعند ذاك فقط، يبدأ خوفي على أولادنا من ثقافة قبول الآخر المختلف بالزوال.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم