إعلان

​ عن الصيغة والنخبة التي لم تعد تحتمل

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
المناطق الفلسطينية
المناطق الفلسطينية
A+ A-
لا تقدم استطلاعات الرأي حقائق محددة، هي في أكثرها دقة مزيج من التقييم والمؤشرات وعلامات الثقة. وهي في هذا  ضرورية لقراءة الواقع واختيار التوجهات، وتتضاعف أهميتها في المجتمعات الديمقراطية التي تتمتع بحرية الرأي والتعبير وقدرة الشارع على التغيير والاختيار عبر صناديق الاقتراع. بالنسبة للأنظمة الشمولية، الديكتاتوريات، تتراجع أهمية استطلاعات الرأي ويتعذر اجراؤها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالنظام الحاكم، وتتحول الى "مؤامرة" من اختصاص أجهزة الأمن. 
 
هذا التبسيط يبدو ضرورياً قبل الحديث عن استطلاعات الرأي في فلسطين، حيث يصبح  الأمر أكثر تعقيداً من الثنائية السابقة، فقد سمح الواقع المركب الذي اوجده الاحتلال من جهة، وتشوش وضع السلطة وتفاوت صلاحياتها بين المناطق الثلاث التي جاءت بها اتفاقية اوسلو، ألف وب وجيم، من جهة ثانية، بنشوء واقع مرتبك، اذ تتمتع السلطة، نظريا، بالصلاحية الأمنية في مناطق "أ" والصلاحيات المدنية  في مناطق "ب" مع احتفاظ الاحتلال الاسرائيلي بصلاحية الأمن، وتفقدها تماما لصالح الاحتلال في مناطق "جيم" التي تشمل ما يقارب 60% من اراضي الضفة.
 
لو تحركت دورية من الشرطة الفلسطينية بين رام الله وأريحا فستمر في المناطق الثلاث، وستكون في معظم الطريق خارج المدينتين تحت السلطة الأمنية للاحتلال، ولو تخيلت، رغم صعوبة ذلك، خارطة للضفة الغربية تحت سطوة المناطق الثلاث فستجد أن روح الخارطة التي ابتكرها الثلاثي (كوشنر نتنياهو فريدمان) لـ"صفقة القرن" تنطلق من روح هذا التقسيم.
 
الصراع الأعمق يدور هنا في المنطقة "جيم".  
 هناك الكثير من التفاصيل في هذا الشأن، ولكن هذا التوزيع الغريب هو الذي خلق صلاحيات اقرب الى الأحجية وواقعاً شعبياً مختلفاً وسلطة مختلفة أيضاً.
 
في فلسطين ثمة مساحة من القدرة على التعبير والنقد والاحتجاج، مساحة موروثة من زمن "منظمة التحرير" في المنفى وعصرها الذهبي، وعقود من مقاومة الاحتلال في الداخل تضمنت خبرة غنية في بناء شبكة من مؤسسات المجتمع المدني، الثقافية والاجتماعية والخدمية ومنظمات حقوق الانسان،  شكلت لسنوات طويلة  نظاما أهليا فاعلا في مواجهة سلطة الاحتلال اختبر وتعزز بقوة خلال الانتفاضة الأولى.  
 
وهي مساحة حاولت السلطة منذ لحظة تشكلها حصرها وتضييق مجالاتها عبر أجهزتها وسياستها الأمنية، نجحت احياناً وفشلت في أحيان كثيرة، ما أوجد مشهداً مركباً يصعب حسمه  خاصة في ظل وجود الاحتلال وتدخلاته المتواصلة في الحياة اليومية للفلسطينيين وللسلطة، فلا السلطة قادرة على فرض نظامها ولا المعارضة قادرة على الاطاحة بها.
 
هذا الواقع يمنح استطلاعات الرأي في فلسطين نوعاً من المصداقية وقدرة على تقديم المشهد مع احتساب التحفظات التقليدية، هامش الخطأ وميول الجهة المستطلعة وتقاطع النتائج مع استطلاعات أخرى.
 
   لو كنت، وهذا أمر مستبعد تماماً، ضمن العارفين بمتاهة الممرات والغرف في مبنى "المقاطعة" في رام الله، لنصحت  بقراءة  آخر استطلاع للرأي أجراه  المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية للرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة،  في الفترة ما بين 8-11 كانون أول (ديسمبر) 2020، والذي نشر مؤخراً.
 
الأمور ليست كما ترويها وسائل الاعلام ويصدح بها محررو الأخبار في الوكالة الرسمية، أو التحقيقات والتقارير والأهازيج في الفضائية الفلسطينية، ولا تشبه تصريحات المسؤولين التي تعكس، في الغالب، أفكارهم عن أنفسهم وتحاول بدأب التذكير بجدواهم.
 
 لو كان الأمر كذلك لقلقت كثيراً وأنا أقرأ كيف يرى الشارع أداء السلطة وقراراتها، ولتوقفت طويلاً أمام نسبة 62% من المستطلعين التي ترى أن حل الدولتين، الذي قامت عليه السلطة وبنت سياساتها ورهنت مستقبلها ودورها على اكتافه، لم يعد عملياً. بينما تؤيد نسبة 29% التخلي عن حل الدولتين واقامة دولة واحدة للفلسطينيين والاسرائيليين، بغض النظر عن مدى واقعية الفكرة.
 
كنت توقفت أمام نسبة 66% من المستطلعين تطالب باستقالة الرئيس، وهي نسبة تتجاوز النسبة التي حصل عليها خلال انتخابات 2006، وانها كانت 62% قبل ثلاثة أشهر.
 
في سؤال حول الرضا عن اداء الرئيس سنجد نسبة  33% ونسبة عدم الرضا 65%، هذا أمر يستحق الوقوف أمامه أيضاً.
 
في سؤال آخر يتعلق بحركة فتح حول فيما لو اختارت الحركة محمود عباس ليكون مرشحها الرئاسي فإن الأغلبية 52% يعتقدون أن هناك من هم أفضل منه، فيما تقول نسبة من 25%، أنه الأفضل. وتقول نسبة من 42% أن مروان البرغوثي أفضل منه وتقول نسبة من 10% أن محمد دحلان أفضل منه، وتقول نسبة من 7% أن محمد اشتية أفضل منه، هذا يعكس واقعاً قلقاً داخل حركة فتح نفسها، رغم غياب اسم مثل ناصر القدوة عضو اللجنة المركزية لفتح ورئيس مجلس ادارة مؤسسة عرفات، الذي يتمتع بحضور شعبي جيد وعلاقات مع المحيط العربي والدولي، والذي يحتفظ بمسافة واضحة يواصل تعزيزها بهدوء عبر اجتهادات سياسية وقانونية عن سياسة "المقاطعة".
 
خارج الأرقام والنسب المطروحة فإن رغبة عميقة تبدو جلية لدى الجمهور الفلسطيني بضرورة التغيير، التغيير الذي يشمل الصيغة والنهج والأسماء، وهذا يشمل حركة حماس الحاكمة في غزة أيضا، رغبة التغيير هذه تأتي من تراكم عدم الرضا وجمود الأوضاع والمراوحة وتكرار الوجوه والأسماء، ومن الظروف الجديدة التي وجد المشروع الوطني الفلسطيني نفسه محاطا بها.
عندما تبلغ نسبة الراغبين في الهجرة 28% من الجمهور الفلسطيني الذي تأسست ثقافته على فكرة العودة والصمود، فإن ثمة ما يستدعي طرح الأسئلة على "صناع القرار، وعندما تصل هذه النسبة 38% في غزة فسيتحول الحديث باسم الشعب وعنه نوعا من التحايل.
 
 وهي، رغبة التغيير، تأتي ايضاً من الاحساس بعدم الثقة بالنخبة السياسية التي تمثل النظام السياسي وتقوده، عدم الثقة الذي تحول في تفاقمه الى مستوى من الاهمال العميق. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم