إعلان

هل سيكون الصدر ملك ملوك الجان في العراق؟

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر.
زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر.
A+ A-
شماتةً بأباطرة الفساد في العراق يمكن المرء أن يُظهر سعادته بالانتصارات المعنوية التي يحققها مقتدى الصدر على خصومه من أبناء الأرستقراطية الدينية وزعماء المافيات الحزبية، الذين أجبروا الشعب العراقي على دفع تكاليف الخدمة الجهادية التي كانوا يمارسونها باعتبارهم جاليات عراقية في إيران وسوريا وبريطانيا وسواها من الدول الغربية.
 
كان الأمر أشبه بالضريبة بأثر رجعي. وكان على الشعب صاغراً أن يدفع الزكاة والخمس معاً من غير أن يكون معنياً بالسؤال عن الجهة التي تقبض. لم تنسَ تلك الأحزاب في حمى تقاسم الغنائم في ما بينها عدوها الذي كان يتظاهر بأنه لم يرث من أبيه سوى حشود الفقراء الذين سبق أن تحدوا النظام السابق والتحقوا بصلاة الجمعة التي كان محمد الصدر، والد مقتدى، يقيمها في شوارع المدن الفقيرة. يوماً ما في تسعينات القرن الماضي كنت شاهداً على واحدة من تلك التظاهرات. ولأن الخلاف لم يعد فقهياً بعدما دخل العراق بملياراته على الخط فإن فقراء العراق لم يعودوا يمثلون كفة الميزان الراجحة بالنسبة الى الأحزاب الدينية المزكاة أميركياً والمحمية إيرانياً. وهو ما استثمره مقتدى الصدر في الانتخابات الأخيرة وراهن عليه وكان على يقين بأن مستقبله السياسي ومستقبل العراق صارا هما الشيء نفسه. 
 
لقد ربح الصدر الجولة. حقق انتصاراً لا على مستوى ما ناله تياره من مقاعد في مجلس النواب فحسب، بل وأيضاً على مستوى الدفع بخصومه من الشيعة إلى موقع صاروا فيه يشكون في إمكان استمرارهم في النظام السياسي وإدارة الدولة ومن ثم التمتع بمكتسباتهم التي اعتبروها ثمناً لنضالهم من أجل إسقاط النظام السابق. وكما يبدو فإن الصدر بالرغم من أنه كان على الدوام مشاركاً في عملية النهب المنظم لثروات العراق لم يتخلَ عن موقفه المعارض للأحزاب الحاكمة وهو الموقف الذي أكسبه الكثير من التعاطف الشعبي الذي يقاوم الأسوأ بأفضل السيئ. فالصدر هو الآخر لا يمثل خياراً قيامياً بالنسبة الى العراق. فالبلد الذي نهبته الأحزاب بحِرَفية قلّ نظيرها على صعيد التاريخ البشري لن يقوى على إنقاذه واحدٌ من أبناء العملية السياسية التي أقيمت على أساس تقاسم الغنائم بين الطوائف. كما أن الصدر سبق الجميع إلى الحرب الطائفية بـ"جيش المهدي" الذي هو أول ميليشيا طائفية أعلن من خلالها هويته التي صارت عنواناً له، وهو ما يؤكد موقع الصدر في النظام السياسي كما أراده الأميركيون ورعاه الإيرانيون بالرغم من أن كل زعماء الأحزاب الشيعية وبالأخص نوري المالكي لا يرون فيه نداً مناسباً. 
 
لا يكفي أن يكون الصدر عدواً للأحزاب الموالية لإيران لكي يُسمى منقذاً للعراق، فالرجل هو الآخر لا يملك مشروعاً سياسياً وطنياً. كما أن تياره لا يتألف من كفاءات في أي صعيد من صعد الدولة، فأتباعه الذين سبق لهم أن تسلموا مناصب وزارية لم يكشف أي واحد منهم عن موهبة في التفكير والأداء والنزاهة وإدارة الأعمال بل كانوا مجرد حراس تابعين للدوائر الاقتصادية التي أنشأها الصدر لتتولى اقتطاع حصصه من العقود والصفقات. بمعنى أن أولئك الوزراء كانوا وكلاء للصدر في وزاراتهم التي لا تحوم حولها شبهات الفساد فقط، بل كانت أكثر بؤر الفساد تأثيراً في مستوى ضعف الخدمات ورداءتها كما هو حال القطاع الصحي والكهرباء. لذلك فحين يدعو الصدر خصومه إلى تطهير أحزابهم من الفاسدين لا بد من أن يواجه أولئك الخصوم دعوته تلك بقدر لافت من السخرية. فأبسط ما يمكن أن يُقال له "طهر بيتك أولاً من الفاسدين ومن ثم نصب نفسك ملكاً للنزاهة". تلك معضلة يمكن إلقاء الضوء من خلالها على نوع الشبكة الريفية التي ستدير شؤون الدولة فيما إذا نجح الصدر في استبعاد الميليشيات وانفرد بالحكم المباشر.  
 
غير أن هناك مَن يعتبر أن انتقال السلطة السلمي إلى إدارة لا تخضع لإيران يعتبر خطوة مهمة في اتجاه تحرير الدولة من هيمنة الميليشيات وسلاحها وإن كان ذلك التحرير يبقى ناقصاً بسبب ما تملكه تلك الميليشيات من نفوذ سبق وأن تمت شرعنته من خلال قوانين أقرها مجلس النواب وصارت ملزمة للحكومة، وحتى في حالة تمكن الصدر من إقناع الأغلبية في مجلس النواب بالموافقة على إقرار قانون يُحل بموجبه "الحشد" فإن الميليشيات لن تتخلى عن سلاحها بيسر. السؤال الآن هو: "هل ستترك إيران العلاقة بين الطرفين الشيعيين واللذين تملك علاقة طيبة بهما تسوء إلى الدرجة التي تكون الحرب بينهما هي الحل الوحيد؟". هناك مَن يخشى من أن ينقلب الصدر كعادته على خطابه المتشدد وهو ما يُعد نكسة لآمال المتفائلين بالحل التدريجي. فالعودة إلى المشاركة التوافقية تعني أن الانتخابات قد تم الغاء نتائجها وهو ما تدعو إليه الكتل السياسية التي لم تعترف بهزيمتها. فهل يفعلها الصدر؟ 
 
هذه المرة ستكون لعبة شد الأعصاب مختلفة. لن يبادر الصدر إلى تشكيل حكومة جديدة بعد إقرار نتائج الانتخابات ولن يسمح للآخرين من الأكراد والسنّة بابتزازه كعادتهم. سيركز على أن يدفع بالطرف الشيعي المهزوم إلى اليأس من إمكان أن يكون شريكاً. وإذا ما أردنا أن نكون منصفين فإن زعماء الكتل المهزومة وفي مقدمهم نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي لا يستحقون أن يكونوا شركاء ديموقراطيين. هل علينا أن نصدق أن زعماء الطائفية السياسية سيذهبون إلى معارضة سياسية سلمية؟ آمال كثيرة غير أن الواقع سيضيق بها حتماً.   

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم