إعلان

أي "دولة" تلك التي عند العرب؟

المصدر: النهار العربي
حسن إسميك
حسن إسميك
تمثال لابن خلدون في العاصمة التونسية.
تمثال لابن خلدون في العاصمة التونسية.
A+ A-
"يتكون الوطن العربي من 22 دولة عضو في جامعة الدول العربية"، هذه الجملة البسيطة التي لا يخلو أي نظام تعليمي عربي منها بالضرورة، نسمعها منذ الصغر، ونتعامل معها كحقيقة وكمعلومة وكمعطى نهائي، ولا أظن أن كثيرين منا تساءلوا أنه ومن بين الاثنتين والعشرين تلك، كم واحدة يمكننا بالفعل أن نقول إنها "دولة"!
 
 لنفكر بداية بماهية الدولة، فلنفترض أن برنامجاً سياسياً ما بعث إلى الشارع مراسلاً وكلفه بأن يسأل الناس سؤالاً بسيطاً: "ما الدولة؟"، لا أظن أن المراسل سيحصل على إجابتين متماثلتين، سيحصل بالتأكيد على إجابات من قبيل: هي البلد الذي نعيش فيه، أو هي الحكومة ومؤسساتها، هي النظام السياسي الذي يحكم البلد، أو هي المكان الذي يحكم باسم الشرع أو المكان الذي يحكم فيه الشعب نفسه، سيقول بعض المطلعين إنها "أرض وشعب وسيادة" كما تعلم معظمنا في المدارس، وسيقف كثيرون للحظة، وسيقولون "لا أعرف!". 
 
لا يُلام هؤلاء أبداً، بل معهم كامل الحق، فلا أظن أن هنالك مفهوماً عصياً على التعريف بين المفاهيم السياسية الحديثة والمعاصرة كمثل مفهوم "الدولة"، هذا باعتراف علماء سياسة واجتماع وقانون وأنثروبولوجيا، قدماء وجدداً، عرباً وأجانب. وفي حين صارت البلدان التي قامت وازدهرت فيها الدول، تُعرِّف "الدولة" إجرائياً وبحسب تجلياتها وتطبيقاتها وأنشطتها العملية، وصار مفهوم الدولة قاراً في الوعي الجمعي لمواطنيها، لا تزال "الدولة" في معظم البلدان العربية – كي لا أقول كلها – مشروعاً، ولا يزال مفهومها غائماً ملتبساً، فلا يكاد أحد يمسكه "فكرياً" من ناحية، حتى يجد أنه تفلت من الناحية الأخرى.
 
أحد التعريفات الطريفة للدولة، والذي سمعته منذ قرابة عقد من الزمن ولا يزال حاضراً في ذاكرتي، ما أدلى به رجل عجوز في مقهى بغدادي عريق ونحن نتحدث عن وضع العراق ودولته، قال حينها متحسراً: "الدولة هي كل شي.. إذا ما في دولة ما في شي". بالمقابل يعرف كثيرون الدولة بأنها فكرة "مجردة"، ليس لها وجود حقيقي في المجتمع، وأنا لا أختلف إطلاقاً مع هذا الرأي، لكن هذه الفكرة المجردة غير الموجودة بشكل فعلي في المجتمع لها من الآثار المتعينة والفعلية أكثر من أي مفهوم آخر، فهي محرك المجتمع ودافعه الرئيس، والناظم الرئيس لكل أفعالنا فيه، ليس السياسية فحسب، بل والاقتصادية والاجتماعية والتربوية وغيرها كثير، وكأنها حقاً "كل شيء". وفي الحقيقة فإن هذا الالتباس الحاصل حول مفهوم الدولة يجعلنا حبيسين في "المشروع" دون الوصول إلى الدولة المنشودة.
 
ولأن الدولة فكرة، ولأن هذا النوع من الأفكار هو محرك التاريخ، نجد أن فكرة "الدولة" في الغرب مثلاً طورت المجتمعات ثم عادت وتأثرت بتطورها وواكبته، فقد انتقل مفهوم الدولة من الدولة –المدينة إلى الدولة – الأمة، وبعدها إلى الدولة المدنية والدولة متعددة الثقافات أو ما يمكن تسميته بالدول الكوزموبوليتانية. بالمقابل لم يخرج هذا المفهوم عند العرب من عباءة "الدولة المقدسة"، وشهدنا في الأعوام الأخيرة الماضية نكوصاً واضحاً وعودة إلى "دولة الخلافة" على اعتبارها الصيغة المنشودة من "الدولة الإسلامية"، جاء ذلك نتيجة للقوة المتزايدة للتيارات الأصولية في المنطقة العربية، والتي لا أرى فيها إلا تذكيراً مستمراً بالوضع غير المستقر الناتج من عدم اكتمال "مشروع الدولة"، وسقوط تجارب إقامة دولة قومية علمانية لإفراطها ومغالاتها بالاثنتين.
 
الحديث عن غياب الدولة في المفهوم أو في التطبيق ليس اتهاماً لأحد، ولا تقليلاً من قيمة الجهود التي تبذلها بعض القيادات العربية لتحسين أوضاع شعوبها، فالوضع الذي نحن عليه اليوم ليس صنيعة فرد واحد أو نظام بعينه، ولكنه ناتج عن تراكمات منذ عصور طويلة، فُرضت علينا حيناً وصنعناها – عن قصد أو عن غير قصد – حيناً آخر. بل على العكس من ذلك، ففي بعض الأحيان تمكَّن فرد بذاته وصل إلى السلطة بطرق تقليدية (دينية أو وراثية) من أن يصنع "دولة"، لكن هذه الدولة انقضت بانقضاء سلطته أو أجله وعدنا إلى الحالة التي لا نزال نعاني منها إلى اليوم بنسب متراوحة.
 
وإذا كان هناك وزر يجب أن يتحمله فرد أو مجموعة، فمعظم هذا الوزر يقع على عاتق المفكرين العرب أو المنظرين السياسيين الجدد. ففكرة الدولة في العالم العربي اليوم لا تختلف كثيراً عنها زمن الفارابي أو ابن خلدون، بل وربما تراجعت بعض الشيء من ناحية أن مقاربة ابن خلدون مثلاً لمفهوم الدولة كانت وليدة سياقات عصره وتفاعلاته الراهنة، وبالتالي تتناسب مع ذلك الزمن بشكل مذهل، وسيلاحظ أيٌّ منا عندما يقرأ مقدمة ابن خلدون الشهيرة أنه كان واقعياً وعملياً، بسيطاً في تعابيره متمكناً من أداوته الفكرية القائمة على تحليل ظواهر المجتمع الراهنة والتاريخية سياسية كانت أم اقتصادية أم غير ذلك، فاستطاع وضع تحليل مبتكر وحداثي وأصيل في الوقت نفسه لفكرة "الدولة"، نشوئها وازدهارها وأفولها.
 
بالمقابل لم يتمكن المفكرون الأكثر حداثة من الوصول إلى "نظرية دولة" منطقية وقابلة للتطبيق وللحياة، بل وقعوا دائماً في واحد من خطأين اثنين قاتلين، إما محاولتهم نقل نموذج الدولة الحديثة الغربية بالشكل التي هي عليه في لحظة تاريخية معينة ليطبق على البلدان العربية، وهذا غير ممكن وأثبت فشله في كل الحالات تقريباً. حتى في اللغة، يختلف معنى كلمة دولة في اللغة العربية إلى حد التناقض مع معناه في اللغات الأخرى ذات الأصل اللاتيني، ولا أزال مستغرباً كيف ترجمت هذه إلى تلك، فكلمة "دولة" ترجع في العربية إلى الأصل" دَ وَ لَ"، وفي القاموس المحيط: «دَوْلَةُ: انْقِلابُ الزمانِ، والعُقْبَةُ في المالِ. دالَتِ الأيَّامُ: دارَتْ، واللّهُ تعالى يُداوِلها بينَ الناسِ»، أما "لسان العرب" فجاء به: «الدُّول اسم الشيء الذي يُتداول، والدَّوْلةُ الفعل والانتقال من حال إِلى حال»، وعلى النقيض تماماً يعود مصطلح State بالإنجليزية، وEtat بالفرنسية، وStato بالإيطالية إلى الجذر اللاتيني Statique والذي يعني السكون، ويشير إلى الثبات والاستقرار. وبالفعل دولهم ثابتة وحكمها في حالة التغير والتبدل، وبالمقارنة فإن "دولنا" غير مستقرة، ولكن حكمها في حالة الثابت وتشبث.
 
أما الخطأ الثاني فهو محاولات إيجاد نموذج دولة مستوحى بالكامل من الدين الإسلامي، أو من دولة الإسلام الأولى زمن الخلافة الراشدة، وهذا بدوره غير ممكن وأثبت فشله أيضاً، وحتى محاولات إعادة الإحياء هذه جاءت كردة فعل اعتباطية، ولم تكن مبنية على أية أسس فكرية صحيحة وعميقة وعملية، فكانت النتيجة أقرب إلى شعار "الإسلام هو الحل" الذي رُفع في بعض مظاهرات ما سمي بـ"الربيع العربي"، وهو شعار معمم غير واقعي مبني على نظرة ماضوية ترى في الخلافة اليوتوبيا المنشودة، لكن بدون أي تأصيل نظري أو خطة أو أدوات لتحقيقها. 
 
إذا كان العربي اليوم يحلم بدولة كالدول الأوروبية فهذا لا يعني أن هذا النموذج سيكون صالحاً عندنا، ورغم أن البناء بحسب نموذج معين ليس بالأمر الخاطئ بحد ذاته، إلا أن مفكرينا وعندما اعتمدوا النمذجة لم يختاروا ما يناسب لحظتهم الراهنة، وأوضاع شعوبهم ومقتضيات تقدمها ولم يدركوا سيرورة بلدانهم التاريخية والسياقات التي تعيشها ضمن المنظومات الإقليمية والدولية المحيطة، الأمر الذي سمح للتيارات والتنظيمات المتطرفة بتصدر المشهد العربي بالعموم.
لقد قسمت القوى الاستعمارية منطقتنا، وظنت أنها ترسم بذلك حدوداً لدول حديثة، وحاولت بالطبع فرض نموذجها على هذه البلدان التي صنعتها – وهذه أول المشكلات – وعمدت إلى تقوية ما ظنت أنه "جهاز الدولة"، إلا أنها قوَّت "السلطة" البعيدة جداً عن مفهوم "الدولة"، نظرياً وتطبيقياً، والتي يمكن اختصارها بالعموم بالحاكم الفرد، المستبد غالباً، والمستند في تشريع استبداده غالباً إلى الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وأجزاء عربية أخرى، فصار هذا الصراع مبرراً لغياب جهود حقيقية لإتمام "مشروع بناء الدولة".
 
ضيقت هذه الحالة من "المجال السياسي" في مجتمعاتنا، وجعلت الاغتراب السياسي سمة عامة، ليكون الانتماء هو الاستثناء. وفي الحقيقة فإن تراجع مجال المشاركة السياسية يفقد بلداننا فرصة مهمة في بناء الدولة المدنية، والانتقال من دولة الرعايا إلى دولة المواطنة التي تضمن المساواة بين الجميع أمام القانون وفي الحقوق والواجبات، والتي يزدهر فيها المجتمع المدني ويؤدي أدواراً تدعم أدوار السلطة وترأب الفجوة بينها وبين الشعب، فتصير الحاجة إلى "الدولة المقدسة" معدومة، ويمكن حينها أيضاً فصل الدين عن الدولة بالممارسة دون أن ينفصل عنها بالروح والأخلاق.
 
وعلى أي حال... فثمة نور في آخر النفق، إذ تعيش معظم البلدان العربية اليوم حالة إيجابية إلى حد كبير على مستوى السياسة الدولية، وترتب أوراق بيتها الداخلي قدر المستطاع أيضاً، وهذه لحظة مناسبة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الحكومات وبين الشعوب ليكون السير قدماً بخطى ثابتة ومتسارعة. ولا شك أن نجاح ذلك يتطلب أن يلعب المفكرون والمنظرون هنا دوراً مهماً، ولكن سيبقى الدور المركزي بيد السلطات العربية، وسيبقى أيضاً الخيار خيارها، فإما أن تعمل من أجل بناء الدولة بكل ما يحمله هذا المفهوم من ثبات واستقرار وديمومة – ولا أقصد المعنى اللغوي هنا – أو أن تستمر على نهجها ونهج أسلافها فتحرم الشعوب من حقها بوجود "دولة" تضمن حقوقهم وتحميهم وتؤمن مستقبلهم وتجد لهم مكانة على خارطة العالم الحضارية.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم