إعلان

تحالف القويُّ مع الأقوياء

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
A+ A-
 كُلّنا نعمل في مؤسّسات. في كُلِّ واحدةٍ منها أشخاص متمكّنون وأشخاصٌ ضعفاء. في مرّات كثيرة يتحالف الضعفاء ضدّ قويّ معيّن. يفعلون ذلك من أجل حمايةِ أنفسِهم من هذا القويّ فيما لو انقضَّ هُوَ على أحدهم. الضعفاء عندما يتّحدون يشكّلون قوّةً. هذا ما فعَلَتْه دول عدم الانحياز. كانت مجموعة دولٍ ضعيفة، لم تُردْ أن تدور في فلكِ الاتّحاد السوفياتي أو في فلك الولايات المتّحدة في زمن الحرب الباردة. خوفاً من استفرادِها، دولةً دولة، اتّحدت في ما سُمّي آنذاك "مجموعة دول عدم الانحياز". 
 
في بعض المرّات يلجأ ضعيفٌ إلى قويٍّ للاحتماء به. يحصل هذا بين الدول أيضاً. سوريا في مرحلة السبعينات والثمانينات وما تلاها من سنواتٍ وحوادث، شعَرَت أنّها ضعيفة في وجه إسرائيل. تحالَفَتْ مع الاتّحاد السوفياتي لكي تصبح معه وفيه قويّةً وقادرةً على المواجهة. هذا ما فعلته كوبا في بداية الستّينات حين تحالف فيديل كاسترو مع نيكيتا خروتشوف في وجه جون كينيدي.
 
هذا ما يحدثُ في المؤسّسات أيضاً حين يتحالف موظّفٌ مستضعف مع مدير قويٍّ في مواجهة مديرٍ قويٍّ آخر يحارب ذاك الضعيف. الكلُّ يستغلّ الكلَّ في نزاع كهذا، والكلُّ يمارس شيئاً من الـ Manipulation على بعضه بعضاً. 
 
التحالفات، أكانت بين الدول أم بين المجموعات، أم بين الأفراد، من شأنها تعزيز قوّة الضعيف في وجه من هو أقوى، كما أنّ من شأنها تأمين ديمومةٍ لقوّة القويّ ومناعته.
 
لكن ماذا عن القويّ في المؤسّسة؟ مع من يتحالف؟ مع مَنْ يرغبُ في العمل؟ مع من يتّحد القويُّ؟ مع الأقوياء؟ مع الضعفاء؟ هل يُفضّل المديرُ القويُّ أن يوظِّفَ أقوياء في مؤسّسته؟ هل يحبُّ أن يستقطب إلى شركته أُناساً طموحين، مِقدامين، خلّاقين، مُنتجين، وفعّالين؟ أم أنّه يُفضِّل أن يعمل مع أشخاصٍMediocre  هُم بحاجةٍ إليه وإلى توجيهاتِه في الصغيرة والكبيرة؟ هل يُفضّل المدير أن يعمل مع أشخاصٍ غير قادرين على اتّخاذ أيّ قرارٍ بسبب ضعف مهاراتهم في صنع القرارات أو بسبب خوفهم من المدير، أو أنّه يُفضِّل العمل مع أشخاصٍ قادرين على صنع القرارات، أو أنّهم في الحدِّ الأدني قادرون على إعطاء مديرِهم أفكاراً تساعدُه في عمليّة اتّخاذ القرار؟ 
 
كثيرون من المديرين يفضّلون العمل مع موظّفين "ما بيوجْعولُن راسُن" باقتراحات أو بنقاشات. هُم لا يقبلون رأياً مخالفاً لرأيهم في أيِّ نقاش. هُم يعطون أوامر لموظّفيهم ولا أقول لفريق عملهم. يتوقّعون من الجميع تجاوباً يصل إلى حدِّ الطاعة، ويربطون الترقيات والـ Bonus بنوعيّة الطاعة لهم وحجمها. لا تهمُّ هؤلاء المديرين كثيراً نوعيّة الإبداع لدى الموظّفين، ولا درجة اكتسابهم المهارات الحياتيّة كالتواصل وحلّ المشكلات بقدر ما يهمّهم إتقان موظّفيهم المهارات التقنيّة.
 
لكن القويَّ، وتحديداً المدير القويّ، لا يرضى بذلك. هو يخلق جوّاً تنافسيّاً إيجابيّاً بين الموظّفين. بالنسبة اليه، فإنّ الموظّفين ليسوا موظّفين بقدر ما هُم أفراد فريق عمل. هو يحبّهم أقوياء، مُبدعين، مِقدامين، غيورين على العمل. يحبّهم أن يناقشوه، وأن يُسمِعوه آراءً مختلفة عن آرائه، خصوصاً عندما يكونون قادرين على التعبير عنها من دون تحدٍّ، ولا تَبَاهٍ، ولا استفزاز. هو يتضايق منهم إذا لم يُتعبوه بأفكارٍ جديدةٍ، واقتراحاتٍ تُركّزُ على تجويد نوعيّة الخدمات التي يُقدّمونها. المدير القويُّ يرغب في رؤيةٍ فريقه قادراً على صنع قراراتٍ عقلانيّة ذكيّة من دون إعطائه توجيهاتٍ مباشرة منه. هو يتوقّعُ من أفراد فريقه أن يزوِّدوه بتغذيةٍ راجعةٍ أي Feedback من دون أن "يِلْحَقْهم عَ الدعسة". 
 
إذا كُنتَ مديراً أو مسؤولاً عن جماعة، أو منشِّطاً في حلقةٍ مجتمعيّة، هل تفضّل أن تعمل مع الضعفاء؟ معظم الناس يجيبون بكلّا عن سؤال كهذا، لكن كثيرين من هؤلاء الذين يجيبون بـ"لا" هُم غير صادقين. 
 
العمل مع الأقوياء ممتعٌ ومتعبٌ في آن، لكنّ العمل مع الضعفاء متعبٌ في كلّ آن، وخصوصاً في زمن التحدّيات الكبيرة مثل تلك التي نعبر فيها هذه الأيّام.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم