إعلان

حسن نصر الله والبحث عن الحرب الأهليّة

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
أمين عام "حزب الله حسن نصرالله
أمين عام "حزب الله حسن نصرالله
A+ A-
كباحث وكاتب في تاريخ لبنان الحديث، والحرب الأهلية تحديداً، لفتني كلام الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله خلال إطلالته "الهمايونية" الأخيرة والتي أكد فيها صب أطراف محليين ودوليين الزيت على النار المشتعلة داخلياً من أجل جر لبنان نحو الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي. 

بصراحة، فاجأني نصر الله بعدم معرفته - إن لم يكن جهله - بتاريخ لبنان وحربه الأهلية، وهو واحد من الذين نشأوا في أحزمة البؤس الشرقية للعاصمة بيروت، بل إنه حمل سلاحاً كعنصر في حركة "أمل" قبل أن ينقل بندقيته إلى الكتف الأخرى ويلتحق بالحرس الثوري الإيراني الذي أسّس "حزب الله". نصر الله الذي كرر بشغف عبارة الحرب الأهلية، أوحى لمتابعيه بأنه توّاق الى هذه الحرب التي - إن وقعت - ستمنحه فرصة "شرعنة" سلاحه الإيراني والمجاهرة بأن هذا السلاح هو مكدّس فقط لحماية الطائفة الشيعية اللبنانية التي تقبع كباقي الطوائف تحت هيمنة حزبه الحامي للطبقة السياسية اللبنانية. 

ونصر الله، الذي ذكَر الحرب الأهلية أكثر من ست عشرة مرة في أقل من خمس دقائق في عظته السياسية، يستعمل شبح الحرب الأهلية لإخافة اللبنانيين، لكنه يسعى في الوقت عينه لإقناعهم أو ربما خداعهم بأن لبنان لا يزال محط اهتمام الدول العربية والغربية. وهي دول مهتمة، بحسب زعم الوصي على سلاح إيران في لبنان، بصرف الأموال من أجل تدريب اللبنانيين وتسليحهم للاقتتال في ما بينهم. 

اللافت أن نصر الله لم يكتفِ بخطف المارونية السياسية عبر صفقته المشؤومة مع ميشال عون وصهره جبران باسيل، بل صادر سرديتها بأن الحرب الأهلية هي حرب الآخرين على أرض لبنان، وبأن الأطراف المحليين هم قدّيسون غُرّر بهم لحمل السلاح. لا شك بأن الحرب الأهلية،إذا ما اندلعت، تتأثر بعوامل إقليمية وتموّل من الخارج، لكن عدم تحمل المسؤولية المحلية هو موهبة لبنانية تعكس أزمة نفسية وتاريخية مستمرة. 

بعد اتفاق القاهرة بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة اللبنانية عام 1969، كانت المواجهة العسكرية قادمة لا محالة، فلجأ كل من اليمين واليسار اللبنانيين إلى حشد الدعم الخارجي الذي بدوره بادر إلى إغراق لبنان بالأموال التي صُرفت على التسليح وإنشاء صحف ومؤسسات "فكرية" كان لها دورها البارز في تعبئة النفوس على وقع طبول الحرب. وعند اندلاع الحرب عام 1975، كان في لبنان أكثر من سبعين جريدة يومية ومجلة سياسية، فيما كان السلاح والنقود يغرقان البلاد والعباد، على عكس المشهد اللبناني الحالي، لا سيما تناتش اللبنانيين الزيت والحليب المدعوم وسط انهيار اقتصادي وسياسي يتحمّل نصر الله بمغامراته المحلية والإقليمية مسؤوليته. 

لبنان بما هو عليه اليوم ليس إلا مشروعاً فاشلاً لا يستحق الاستثمار فيه في سبيل الإنقاذ الاقتصادي أو حتى الحروب الأهلية، بل هو دولة مخطوفة من ميليشيا إيرانية بزَيّ لبناني أثبتت أن مهارتها مصوّبة نحو القتال والاغتيالات ولا تمتد ولو قليلاً إلى الشق الاقتصادي والاجتماعي. حتى إيران التي استثمرت لسنوات طويلة عبر ميليشياتها في المنطقة، قلّصت أو أوقفت تمويلها وطلبت من أتباعها العيش على جيف اقتصاد البلدان التي تحتلها، واتجهت إلى سرقة موارد الدولة أو ما تبقى منها، بل نصبت شبكة أعمالها الجرمية التي تدرّ لها الثروات ولو أتت على حساب فقر  باقي اللبنانيين وجوعهم. 

التبشير بالحرب يعكس أيضاً رغبة بعض اللبنانيين في تصديق أن الحرب الأهلية الآتية ستكون مقدمة لحل أو اتفاق طائف جديد تقوده شخصية تشبه شخصية الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتعيد ترميم قصر الرمل الذي يطلقون عليه اسم الدولة. هذه المراهنة الساذجة على الخلاص عبر الحرب الأهلية تشبه إلى حد معين رهان معظم اللبنانيين على الطبقة السياسية الحالية، على غرار الرهان الأخير والخيبة التي مُنوا بها الأسبوع الماضي جراء فشل الرئيس المكلف سعد الحريري في إقناع "حزب الله" وميشال عون بتشكيل حكومة، يتوهّم البعض أنها قادرة على إعادتهم إلى مصاف الدولة الطبيعية والاستقرار. 

لبنان حسن نصر الله والطبقة السياسية اللبنانية جمعاء غير جديرين بالإنقاذ بل يستحيل إنقاذهم، والرهان على عكس ذلك هو كالرهان على "الدبس من ... النمس"، رهان خاسر وربما مقزز.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم