إعلان

اليمن .. الحرب والسلام (1): حكاية ألف عام .. وخمسين!

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
علي عبد الله صالح
علي عبد الله صالح
A+ A-
في أكثر من لقاء حضرته أو أجريته أخيراً مع عدد من المختصين السعوديين واليمنيين والأجانب في الشأن اليمني، نوقش هذا السؤال. ماذ يريد العالم من اليمن؟ وماذا يريد اليمنيون أنفسهم من محصلة الصراع؟  

ما حصدته كثير ولا يمكن عرضه في مقالة واحدة، ولذلك سأبدأ بتبرير طرح السؤال. فاليمن بلد فقير في موارده، ضعيف في إدارته، بعيد عن المسرح الدولي سياسياً واقتصادياً، فكيف أصبح في العقد الأخير محور اهتمام الإقليم والعالم؟   

القصة طويلة ومعقدة ومتعددة الأطراف والروايات، وبالتالي المقاربات. ولكن يمكننا البدء بعرض تاريخي سريع للحالة اليمنية التي أفرزت هذا الصراع، وصولاً الى المبادرة السعودية الاثنين الماضي لإنهائه.  

 الإمامية والجمهورية 
اليمن السعيد - وهنا أعني شمال اليمن كما نعرفه اليوم - حُكم خلال الألف سنة الماضية حكماً إمامياً هاشمياً عقائدياً لم يعن بالعلم والتعليم والتنمية بالمفهوم الحديث، وعزل نفسه سياسياً وثقافياً عن العالم الخارجي الى حد بعيد. وعندما حاولت القوى الأجنبية التدخل في شؤونه قاتلها قتالاً مريراً، وانتصر عليها، ولذلك سُمّي مقبرة الغزاة.  

لكنه في الخمسين عاماً الأخيرة، انقلب على تاريخه الطويل، وتحوّل جمهورية عصرية، حاولت التوفيق بين القبيلة والدولة، بدأت بحكم الدولة للقبيلة، وانتهت بحكم القبيلة للدولة. فنظام الرئيس علي عبد الله صالح تقاسم الحكم "الزيدي" بين عائلته وعشيرته، وبين بيت الأحمر، مشايخ حاشد، أكبر قبائل اليمن. وبعد وفاة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، استبعد الرئيس أبناءه وتفرد وقبيلته بالحكم. 

المستبعدون 
وهكذا وجد الحزب الاشتراكي، الذي حكم الجنوب منذ ستينات القرن الماضي ودخل الوحدة بالتوافق ثم بالحرب في أوائل التسعينات من القرن الماضي، نفسه خارج دائرة الحكم بعد حملة تصفيات جسدية وسياسية. وتمثل الجنوب في شخصيات محدودة الصلاحيات برغم مواقعها السياسية العالية، ونواب يمثلون أقلية في البرلمان اليمني، ومحافظين في الولايات الجنوبية.  

انتقل المستبعدون من آل الأحمر، برغم انتمائهم الى المذهب الزيدي، الى معسكر حزب الإصلاح الإخواني (السني)، وانضم اليهم بعض الجنوبيين. أما "الاشتراكيون" فقد انتقلوا الى المعارضة العلنية والخفية، وأشعلوا التظاهرات وقاموا بدعم من "حزب الله" بإنشاء قناة في الضاحية الجنوبية لبيروت التي انتقل اليها بعض زعمائهم، وعلى رأسهم الرئيس الجنوبي السابق علي سالم البيض. 

ثورة ومبادرة وانقلاب 
ومع ثورة الشباب - أو ثورة 11 شباط (فبراير) 2011 - التي جاءت في سياق عاصفة الربيع العربي التي كادت تودي باليمن الى ما انتهت اليه سوريا وليبيا، تقدمت دول مجلس التعاون الخليجي بـ"المبادرة الخليجية" في (3 نيسان/ أبريل 2011)، برعاية مجلس التعاون والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، وخرج بموجبها الرئيس صالح من الحكم بعد انتخابات فازت فيها الحكومة الحالية برئاسة الرئيس عبد ربه منصور هادي.  

وأشرف الرعاة والأمم المتحدة على مؤتمر "الحوار الوطني الشامل"، الذي شاركت فيه جميع المكونات اليمنية، بمن فيها الحوثيون. خلص المؤتمر إلى التوقيع على وثيقة لمخرجات الحوار،  وتضمنت بنوداً دعت إلى إعادة هيكلة البرلمان ومجلس الشورى، لتكون مناصفة بين الشماليين والجنوبيين. وفي شأن قضية صعدة دعت الوثيقة الى حظر وجود ميليشيات مسلحة، وتسليم الأسلحة للدولة وبسط نفوذها في كل اليمن، وتضمنت نقاطاً ونصوصاً ومحددات للدستور القادم. واتّفق أعضاء الحوار على أن يكون اليمن دولة اتحادية من 6 أقاليم، وهي إقليم حضرموت وإقليم عدن جنوباً وإقليم الجند وإقليم تهامة وإقليم آزال، وإقليم سبأ شمالاً، وعلى أن يكون لصنعاء وعدن وضع خاص خارج سلطة أي إقليم، وشكلت لجنة لصوغ الدستور الجديد. 

انقلبت جماعة الحوثيين، بدعم إيراني، على هذا الاتفاقات عام 2014 وأطلقت حملة عسكرية (بتعاون مع الرئيس السابق وحزبه "المؤتمر الشعبي العام") لاحتلال صنعاء وإعلان حكومة جديدة، وقامت قواتهم بمناورات استفزازية بالأسلحة الثقيلة على حدود السعودية، فيما تواصلت عمليات السيطرة على بقية المناطق حتى أوقفتها المقاومة الجنوبية على أبواب عدن بعد لجوء الرئيس هادي اليها، في 2015، وتقدمه بطلب رسمي لتفعيل البند 51 من ميثاق الأمم المتحدة، لطلب العون السعودي والدولي في مواجهة الانقلاب.  

الموقف الأممي
اجتمع مجلس الأمن وأصدر قراره الرقم 2216، تحت الفصل السابع الملزم، لتفويض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بدعم الحكومة والجيش الوطني، وفرض حظر على وصول السلاح للانقلابيين، ويشمل ذلك الذخائر والمركبات والمعدات العسكرية والمعدات شبه العسكرية وقطع الغيار والمساعدات التقنية والتدريب والمساعدات المالية وكل ما يتصل بالأنشطة العسكرية أو توفير أي أسلحة أو توفير أفراد مرتزقة مسلحين، سواء كان مصدرهم أراضيها أم لا.  

وأوكل القرار للدول، لا سيما المجاورة لليمن، تفتيش كل البضائع المتجهة إلى اليمن والقادمة منه. كما فرض عقوبات على القيادات الحوثية والرئيس السابق وأعوانه، وطالبهم بالكف عن استخدام العنف، وسحب قواتهم من كل المناطق التي استولوا عليها بما في ذلك العاصمة صنعاء، والتخلي عن كل الأسلحة التي استولوا عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية، بما في ذلك منظومات القذائف، والتوقف عن الأعمال التي تندرج ضمن نطاق سلطة الحكومة الشرعية، والامتناع عن الإتيان بأي استفزازات أو تهديدات للدول المجاورة، والإفراج عن جميع السجناء السياسيين، وإنهاء تجنيد الأطفال وتسريح جميع الأطفال المجندين في صفوفهم. 

ونص القرار على دعوة جميع الأطراف اليمنيين، لا سيما الحوثيين إلى الالتزام بمبادرة مجلس التعاون الخليجي ونتائج مؤتمر الحوار الوطني الشامل وقرارات مجلس الأمن وتسريع المفاوضات للتوصل إلى حل توافقي، والتنفيذ الكامل للاتفاقات المبرمة والالتزامات التي تم التعهد بها لبلوغ هذا الهدف والتعجيل بوقف العنف، وطالب جميع الأطراف اليمنيين بالتزام تسوية الخلافات عن طريق الحوار والامتناع عن الأعمال الاستفزازية. 

رفض الحوثيون تنفيذ القرار وردوا بالاستمرار في محاولات التوسع نحو المناطق الجنوبية والشرقية، ولكن الجيش الوطني الذي أعيد بناؤه بدعم من التحالف العربي والإسلامي بقيادة السعودية والمقاومة الشعبية أوقفا التقدم العسكري وحررا بعض المناطق المحتلة، بخاصة في ساحل تهامة، حتى أوقفتها التدخلات الدولية على مشارف الحديدة وصنعاء وصعدة. وعاد الجميع الى مسار المفاوضات التي انتهت باتفاقية استكهولم في 2018، والمتعثرة من ذلك الحين بسبب الخروق العسكرية الحوثية، والمماطلة والمراوغة في تنفيذ عدد من بنوده.  

المبادرة السعودية 
في مطلع العام الجديد، 2021، جاءت إدارة أميركية ديموقراطية برؤية مختلفة عن الإدارة السابقة ومتماثلة مع رؤية الإدارة الديموقراطية الأسبق، وأرسلت رسائل مهادنة تجاه إيران والحوثي، أدت الى تشجيعها على تصعيد غير مسبوق بعشرات الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة ضد الأعيان المدنية في السعودية وعلى جبهة مأرب. رد عليها التحالف العربي والجيش اليمني بحملة مضادة حررت مواقعَ هامة في مأرب والجوف وتعز وحجة.  

والاثنين الماضي، تقدمت السعودية بمبادرة سلام أيّدتها الحكومة اليمنية ودول التحالف العربي ومجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد  الأوروبي والأمم المتحدة والدول الراعية للملف اليمني، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا.  

وتنص المبادرة السعودية على وقف شامل لإطلاق النار تحت رقابة أممية، وتخفيف نشاط مراقبة ميناء الحديدة، وإيداع إيراداته في حساب مشترك للبنك المركزي اليمني، فرع الحديدة، بحسب اتفاقية استوكهولم، وفتح مطار صنعاء الدولي، وبدء مشاورات سياسية برعاية الأمم المتحدة بناءً على المرجعيات الثلاث، المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2016.  

 رفض إيران نيابة عن الحوثي 
رفضت إيران المبادرة السعودية بتغريدة من حسن ايرلو، السفير الإيراني في صنعاء، والقائد في الحرس الثوري، نيابة عن عميله الحوثي، بالسرعة نفسها التي تم بها رفض المبادرة الأميركية قبلها. وهذا يقودنا الى السؤال الذي بدأنا به: ماذا تريد أطراف الصراع؟ ماذا يريد الحوثي؟ ماذا تريد إيران؟ وماذا تريد المكوّنات اليمنية السياسية والقبلية والدينية المختلفة؟  

وفي المقابل، ماذا تريد السعودية وحلفاؤها؟ ماذا تريد أميركا؟ وماذا يريد المجتمع الدولي؟  

الإجابة عن هذا الأسئلة ستكشف لنا فرص نجاح مسار السلام في ظل تضارب وتقاطع مصالح الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية. وهذا موضوع المقالة المقبلة.  

 

 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم