إعلان

إسرائيل... نهاية الحرب بين الحروب

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
لا يبدو أن بيان حكومة بينيت عن الحرب في أوكرانيا كان مناسباً لبوتين.
لا يبدو أن بيان حكومة بينيت عن الحرب في أوكرانيا كان مناسباً لبوتين.
A+ A-
صبيحة الهجوم الروسي على أوكرانيا، قتل ثلاثة جنود سوريين في هجوم إسرائيلي على مواقع عسكرية في محيط العاصمة دمشق وريفها، حسب الناطق العسكري السوري، وهو الهجوم الثاني خلال أقل من عشرة أيام بعد القصف الإسرائيلي الأربعاء الماضي لمواقع عسكرية في محيط مدينة القنيطرة، يقول المرصد السوري لحقوق الانسان إنها تابعة لميليشيات إيرانية.
 
يأتي الهجومان ضمن سلسلة طويلة من الضربات  على مدار السنوات الماضية، وصلت الى ميناء اللاذقية والحدود العراقية - السورية. نشاط عسكري اتسم بتأكيد التفوق الإسرائيلي وتعزيز الثقة بالجيش خدم الى حد بعيد شعبية نتنياهو خلال فترة حكمه الطويلة، ويحاول غانتس وبينيت مواصلة استثمارها، بغض النظر عن قدرتها على قطع ممرات السلاح الإيرانية.
 
الضربة الأخيرة تحمل رسالة لروسيا مفادها أن تفاهماتنا حول حرية النشاط في سوريا لا تزال قائمة، وأننا لم نتخذ موقفاً، وأن اجتياح أوكرانيا الدولة المتروكة خارج الناتو وخارج الاتحاد الأوروبي، أو اقتطاع مقاطعتي دونيتسيك ولوغانسك والاعتراف الروسي بهما في حدودهما الإدارية قبل عام 2014 من قبل الجيش الروسي وحلفائه من انفصاليي شرق أوكرانيا، لن تغيّر الأمر. كان هذا قبل الاجتماع التداولي للحكومة الإسرائيلية صباح أمس، وإعلان وزير الخارجية لبيد إدانة الهجوم الروسي على أوكرانيا.
 
تتصرف حكومة "بينيت - لابيد - غانتس" في إسرائيل على أن روسيا دولة حدودية، وأن الجيش الروسي يحدها من الشمال، من سوريا، وأن التفاهمات التي تحققت مع قاعدة حميميم والتي تسمح باعتراض وقصف شحنات الأسلحة والصواريخ الدقيقة التي تتدفق من إيران نحو "حزب الله" في لبنان وشبكة الميليشيات الشيعية في مناطق نفوذ النظام السوري حتى العراق، تشكل حاجة أمنية، وبنية تحتية لاستراتيجية "الحرب بين الحروب" لا يمكن الاستغناء عنها. هذا يشبه قوة ضغط هائلة للذراع الروسية الطويلة القوية.

لذلك، كان التزام إسرائيل بالتفاهمات واضحاً عبر ما يشبه الصمت الحذر والمشي عبر حقل الألغام خلال سنوات الأزمة الأوكرانية الطويلة، وتجاهل الحرب المضمرة التي تتقدم تحت كل هذا، ومحاولة الاحتيال على إعلان الموقف من خلال تصريحات وغمغمة دبلوماسية عامة لم تقترب من إدانة روسيا. لم يعد ممكناً اتباع التكتيك نفسه الذي اتبعه نتنياهو صبيحة ضم روسيا لجزيرة القرم والذي تخفى عبر الغياب عن جلسة التصويت في الأمم المتحدة. أما لابيد، وزير خارجية إسرائيل والقطب الثاني في الحكومة، فقد أعلن أن موقع إسرائيل سيكون الى جانب الولايات المتحدة في حالة نشوب الحرب هناك، التصريح الذي جاء بضغط هائل من إدارة بايدن اعتمد على استبعاد الحرب، وهو تقدير ليبرمان أيضاً، الذي يقدم نفسه كخبير في الشأن الروسي. تقدير اتضح أنه خاطئ فجر الرابع والعشرين من شباط (فبراير) من عام 2022. 
 
نفد الوقت ولم يعد ممكناً مواصلة سياسة التخفي، هذا ما توصل اليه اجتماع سياسي وأمني ضم مكوّنات حكومة بينيت صباح الخميس، خرج بعده لابيد ببيان يشمل كل الآراء في الاجتماع. بيان يدين الهجوم الروسي ويتحدث في الفقرة التالية عن العلاقات الطيبة بين إسرائيل والطرفين الروسي والأوكراني، وإمكانية حل النزاعات بوسائل غير الحرب... البيان يبدو مثل لوحة موزاييك تحاول إرضاء جميع الأذواق، بحيث يختار كل طرف الفقرة التي تناسبه، وقد اتضح أن الأمر لم يناسب بوتين. 
 
روسيا وجهت أكثر من رسالة الى إسرائيل بهذا الشأن، بعضها مبكر جداً، وقبل تفاقم الأزمة، ومن خلال تلميحات لمسؤولين من الدرجة الثانية والثالثة، ثم تطور التلميح الى دوريات جوية في الجولان تشير الى الحدود التي يمكن وضعها، ثم تصريحات واضحة حول الضرر الذي تتسبب به الهجمات الإسرائيلية على الجيش السوري، ومؤخراً المناورات الضخمة التي أشرف عليها وزير الدفاع الروسي شويغو من قاعدة حميميم، ولكنها حولت هذه الرسائل الى موقف سياسي واضح بعد بيان الخارجية الإسرائيلية الأخير بإعلانها عدم شرعية احتلال إسرائيل لهضبة الجولان، محذرة من تنامي الاستيطان في الأرض المحتلة.
 
تتهاوى المحاور الثلاثة للاستراتيجية التي وضعتها حكومة بينيت والتي تتمثل بـ: الضغط على الولايات المتحدة في موضوع الاتفاق النووي مع إيران، ومواصلة ضرب النفوذ الإيراني على الأرض في سوريا ولبنان، والانتشار السياسي والاقتصادي والأمني في الإقليم والعالم. 
 
في فيينا يبدو أنهم يراجعون مسودة اتفاق، والأسوأ أنه اتفاق أقل فعالية وبمدة زمنية أقصر من اتفاق 2015 الذي انسحب منه ترامب بضغط من نتنياهو، حسب تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه، وسيكون من المستحيل حتى مطالبة بايدن الآن بعدم توقيع الاتفاق أو تشديد بنوده. 
 
على الجبهة الشمالية، ليس واضحاً بعد الى أي مدى قد يستمر الإذن الروسي بحرية النشاط الإسرائيلي فوق سوريا، ولكنه يهتز الآن بقوة، ما يعني حرية حركة قوافل السلاح وإضاءة الممرات المظللة، والأهم نهاية نظرية الحرب بين الحروب التي فرضتها إسرائيل على العقد الأخير في المنطقة. بينما المحور الثالث، الانتشار خارج الحدود الضيقة نحو الإقليم والعالم، تلاحقه تقارير المنظمات الدولية وحركة المقاطعة بتهمة العنصرية والأبارتهايد، وترافقه فضائح أجهزة التجسس. الكابوس يسمح لصحافيين إسرائيليين بالحديث بوضوح عن تهمة الأبارتهايد وانهيار القيم والأخلاق في صفوف الجيش وعنصرية كتائب بأسمائها في الجيش، والدعوة الى حلها ومحاسبة ضباطها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم