إعلان

عبد المتعال الصعيدي... الثائر على جمود الأزهر

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
الأزهر
الأزهر
A+ A-
 
يعتبر الشيخ عبد المتعال الصعيدي (1894-1966) واحداً ممن أثاروا حفيظة التيار التقليدي داخل الأزهر الشريف، بأفكاره المستنيرة المتحررة والداعية الى التطور والتجديد في مناحي القضايا الدينية والدنيوية، والهروب من جحيم القيود وتبعات الجمود الفكري والعقلي، مقتدياً ومتصلاً بشيخه محمد عبده.
 
كان عبد المتعال الصعيدي من رواد المنهج الإصلاحي الحديث في أروقة المدرسة الأزهرية المصرية، وفي طليعة علماء عصره وزمانه، برغم التجاهل التام لسيرته ومسيرته (تعمداً) بين أوساط الباحثين والدارسين والمشتغلين بقضايا تجديد الخطاب الديني ومعاييره، في ظل ما قدّمه من أطروحات نقدية خالفت الشائع والثابت في هذا المضمار، وأًصّلت لضوابط دينية رصينة، مناهضة للمفاهيم الفقهية والفكرية لتيارات الإسلام السياسي والتكفيري.
 
قدّم عبد المتعال الصعيدي قراءة ورؤية مستنيرتين للكثير من القضايا الفقهية والشرعية، متبنّياً روح المجدّد الإصلاحي للخطاب الديني، بعدما سقطت المدرسة الأزهرية في غياهب التقليد والجمود، منحازةً لمعطيات الخلف والتراث، ومعادية لمساعي الاجتهاد والتطوّر الديني والدنيوي.
فكتب بحوثاً جادة حول الخلافة والحكم في إطار النظام الجمهوري والحكومات القومية، ومدى تطابق القوانين الوضعية مع أصول الشريعة، فضلاً عن تأويل تطبيق الحدود وعلاقتها بالمتغيّرات الفقهيّة والاجتماعيّة التاريخيّة والسياسيّة، كما قدّم نقداً لمسارات المدرسة الأزهرية ومناهجها التراثية، وإصرارها على غلق باب الاجتهاد الفقهي والبحثي.
 
عانت ـ وما زالت ـ اجتهادات عبد المتعال الصعيدي من حالة متعمدة من التغريب والتجاهل والتهميش على يد المؤسسة الأزهرية وأبنائها، (ربّما لجرأته في انتقادها وإبراز تقاعسها وتراجع دورها العلمي والبحثي الديني والدنيوي)، فلم تعامله كبقيّة كبار رموزها أمثال الشيخ محمد مصطفى المراغي، والشيخ الأحمدي الظواهري، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد أبو زهرة، برغم معاصرته للكثير منهم، واحتفاظها بمعظم أعماله كمخطوطات نادرة صيغت متونها حول إشكاليات الحاكميّة والحدود، ومفاهيم المواطنة.
 
التحق عبد المتعال الصعيدي بنخبة من كبار رواد الكلمة والمعرفة في مصر والعالم العربي، أمثال محمد حسنين هيكل، وطه حسين، والعقاد، والشيخ يوسف الدجوي، وعلي عبد الواحد وافي، والشيخ عيسى منون، وخالد محمد خالد، وأحمد فؤاد الأهواني، والشيخ محمد الغزالي.
 
 
توّج الصعيدي أفكاره وآراءه النقدية والمعرفية في 49 كتاباً مطبوعاً مثل "من أين نبدأ"، و"الحرية الدينية فى الإسلام"، و"حرية الفكر في الإسلام"،و"المجددون في الإسلام"، و"القضايا الكبرى في الإسلام"، و"قضية مجاهد في الإصلاح"، و"لماذا أنا مسلم"، و"تاريخ الإصلاح في الأزهر"، و"قضايا المرأة"، و"السياسة الإسلامية في عهد النبوة"، و"النّظم الفني في القرآن"، فضلاً عن 20 كتاباً مخطوطاً أهداها للأزهر.
 
دراسة حديثة صادرة عن هيئة قصور الثقافة المصرية، تحت عنوان "العمامة المستنيرة.. تجديد الخطاب الديني في فكر عبد المتعال الصعيدي"، للدكتور أحمد سالم، أستاذ الفلسفة الإسلامية في القاهرة، طرحت الإشكاليات الكبرى التي تطرّق لها عبد المتعال الصعيدي في إطار معركته مع دعاة الجمود والغلوّ الديني والفكري، فضلاً عن معاناته مع محاكم التّفتيش، ومحاولة فصله من الأزهر، وتكفيره علناً، ومطالبته بالاستتابة كما يُستتاب المرتد.
 
أشار الدكتور سالم في دراسته إلى أن الشيخ الصعيدي خرج عن الإجماع الأزهري في الكثير من القضايا الفقهية والخلافية، بقول "إنّني لا يمكن أن أمضي مع أولئك الجامدين من الأزهريين، لأجني على الأزهر بما يجنون عليه بجمودهم"، فنجده في مسألة قتل المرتد، يوضح أن المرتد لا يُكره على الإسلام بقتل أو حبس، وعقابه يُترك لله تعالى في الآخرة، وأن إيمان المكره باطل.
 
رفض الشيخ الصعيدي، القول بنسخ آيات الحرية في القرآن الكريم، موضحاً أن إكراه المرتد على الإسلام بالقتل أو الحبس داخل قطعاً في عموم قوله تعالى "لا إكراه في الدين" لأن الإكراه في الدين كما يكون في الابتداء يكون في الدوام، وكما لا يصحّ الإكراه على الدين في الابتداء لأن الإسلام الذي يحصل به يكون فاسداً، كذلك الإكراه على الدين لا يصح في الدوام لأن الإسلام الذي يحصل به يكون فاسداً.
مدللاً في موقفه ورؤيته الى أن إجماع الأئمة الأربعة على قتل المرتد قد خرج عليه ابن حزم، فضلاً عن احتكامه إلى الآيات التي تدعم الحريات الدينية في الشريعة الإسلامية، مثل قوله تعالى: "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"، وقوله ("لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ".
كان الصعيدي في محور رؤيته مؤمناً بأهمية الحرية الدينية للإنسان واختيار عقيدته، وتحمّله مسؤولية هذا الاختيار، فيقول في "كتاب الحرية الدينية في الإسلام": "فلكلّ إنسان أن يعتقد ما يشاء في الدنيا، وحسابه على الله تعالى في الآخرة، وليس من حقّنا أن نحاسبه بشيء على ما يعتقده؛ لأنّه إنسان عاقل يتحمّل مسؤولية اعتقاده، ولا نتحملها نحن عنه".
 
قدّم عبد المتعال الصعيدي، عام 1937 على صفحات مجلة السياسة، وفقا للدراسة البحثية،  اجتهاداً مميزاً في مسألة الحدود؛ ففي معرض قراءته للنصوص الواردة في القرآن حول السرقة والزنا، مثل: "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍۖ"، يرى الصعيدي أنّ الأمر الوارد في الآيتين: (فاقطعوا )، (فاجلدوا)، هو للإباحة، وليس للوجوب، كما يعتقد علماء المسلمين، ولا ينبغي أن يكون القطع حدّاً مفروضاً وحده؛ بحيث يجوز العدول عنه في جميع حالات السرقة، وفي كلّ الظروف، وكلّ الأحوال التي تتغيّر بتغيّر الزّمان والمكان؛ بل يكون القطع في السرقة أقصى عقوبة فيها، ويجوز العدول عنه في بعض الحالات إلى عقوبات رادعة أخرى، ويكون الأمر كلّه، شأنه شأن كلّ المباحات، التي تخضع لتصرّفات وليّ الأمر. 
 
أفتى الصعيدي بأن الحجاب عادة وليس فريضة، وأنه نزل في حق زوجات الرسول ﷺ  وأن الشريعة تركت أمر الحجاب بين الرجل وزوجته وفقاً لمقتضيات المصلحة، وأن الكثير من الرجال يجبرون زوجاتهم وبناتهم على ارتداء الحجاب من باب الغيرة، وليس بهدف التديّن، كما أباح الصعيدي فنون التمثيل والتصوير، معتبراً أن القرآن قدّم في عرضه صوراً تمثيلية جسّدت الكثير من قصص الأنبياء والرّسول من باب العظة والتعليم. 
 
انتهى الصعيدي في مخطوطته "في ميدان الاجتهاد"، بوجوب أن يكون الطلاق مكتوباً وليس شفوياً، وينبغي أن يكون عليه شهود، كما هي الحال في عقد الزواج، وذهب إلى أن تعدّد الزوجات أصبح مفسدة اجتماعية، وعلى الحاكم تحريمه، إذ إن الحكم الشرعي بإباحة التعدّد كان من قبيل إعلاء المصلحة العامة للمجتمع وللأمة، تطبيقاً للاستقامة والعدل، وليس من قبيل إطلاق الشهوات، واتّباع الأهواء، والمتاجرة بالنساء.   
 
عارضت أطروحات عبد المتعال الصعيدي الأسس التشريعية التي اتخذتها جماعات العنف المسلح وتيارات الإسلام السياسي مرتكزاً أدبياً لمشروعها حول فرضية قيام "دولة الخلافة"، فيقول في كتابه "من أين نبدأ": يجب أن يعلم الداعون إلى الحكومة الدينية - قاصدا الإخوان المسلمين - أن الحكومة القائمة - عام 1950 - حكومة إسلامية، وأنه لا معنى لمطالبتهم بذلك مع قيام هذه الحكومة، لأن صبغتها في جملتها صبغة إسلامية، وهي كذلك في العرف الدولي حكومة إسلامية، لأن رئيسها الأعلى مسلم، ولأن دينها الرسمي هو "الإسلام" ولأن الشريعة الإسلامية تعدّ الأصل الأصيل لكل تشريع في مصر، وقد جاء دستورها مقرراً لهذا الأصل. 
 
اعتبر الصعيدي في بحوثه التنويرية، أن الإسلام لا يمنع قيام حكومات متعددة، فإذا قامت هذه الحكومات لا يُطلب منها إلا أن تكون متحابّة لا متعادية، وأن تعدّد الحكم في "الإسلام" قال به بعض العلماء استناداً إلى اقتراح الأنصار على المهاجرين حين اختلفوا قبل الاتفاق على أبي بكر (رضي الله عنه)، أن يكون من المهاجرين أمير ومن الأنصار أمير، ولو كان هذا مما لا يجيزه "الإسلام" ما اقترحوه، وأن الدين عقيدة بين الشخص وربّه، والوطن لجميع الناس، مسلمين وغير مسلمين.
 
نادى الشيخ الصعيدي بأنه لا يمكن قصر الحكم الإسلامي على الخلافة، لأن النبي ﷺ مات ولم يعيّن شكلاً للحكم، بل ترك تعيينه لاختيار المسلمين، حتى لا يكون هناك حرج عليهم في اختيار شكل الحكم الذي يلائم ظروفهم وأحوالهم، فلا يهمّ فيه إلا أن يقوم الحكم فيه على أساس الشّورى والعدل، ومتى قام على هذا الأساس كان حكماً إسلامياً صحيحاً، سواء أكان القائم به ملكاً أم خليفة أم رئيساً.
 
الخلافة في نظر عبد المتعال الصّعيدي، رياسة عامة في أمر الدين والدنيا، يقوم باختيارها جمهور الأمّة من كل بالغ عاقل، ولو كان أمياً لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وأن الدولة العثمانية والعباسية والأموية لم تكن خلافة إسلامية بالمعنى الصحيح، فضلاً عن أن النظام الجمهوري الحديث يطابق نظام الخلافة الإسلامي بعينه.
 
توقف الشيخ عبد المتعال الصعيدي أمام قضية الجزية، مفسراً بكونها أمراً خاصاً لا أمراً عاماً، وأن الأصل فيها الاعتداء والعدوان، وأنها ليست شاملة لكل أهل الكتاب، وأنها لم توجب من باب الكفر والشّرك، لكنها من باب الغرامة الحربية، لهذا لم تجب على "النساء" وممن لا يصلح للحرب، فلا يكون لها تأثير في تركهم لها، ولا يكون في فرضها عليهم أدنى وسيلة لحملهم على الإسلام، لأن الإسلام أكبر من أن يغري الناس على دعوته بالمال.
 
كان من الطبيعي أن يُتّهم الشيخ الصعيدي ويعاقَب من جانب المتكلمين التقليديين، الذين انتفضوا ضد أبحاثه حفاظاً على مدرستهم الجامدة، في تناول القضايا التشريعية وعلاقتها المتصلة بمناحي الحياة الاجتماعية والسياسية، فعقدوا له محاكمة في ثلاثينات القرن الماضي، تشكلت من كبار علماء الأزهر الشريف؛ من الشيخ عبد المجيد اللبان (القريب من جماعة الإخوان)، والشيخ محمد مأمون الشناوي، ورئاسة الشيخ محمد عبد اللطيف الفحام؛ فكفّر الشيخ اللبان الشيخ الصعيدي، وطلب أن يُستتاب كما يُستتاب المرتد، ورأى الشيخ الفحام أنّه لا يستحق هذه العقوبة، وأنّه أراد التخفيف على الناس، ورأى الشيخ الشناوي أن يُنقل من كونه مدرّساً في كلية اللغة العربية، إلى قسم المعاهد الأزهرية في طنطا، ووقف ترقيته لمدة خمسة أعوام. 

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم