إعلان

الشرق الأوسط: الوقت الضائع قبل بلورة سياسة أميركيّة جديدة

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
الرئيس الإيراني حسن روحاني
الرئيس الإيراني حسن روحاني
A+ A-
لم تمضِ على تسلم الرئيس الأميركي الجديد جوبايدن السلطة في الولايات المتحدة، وانتقاله الى البيت الأبيض سوى أيام معدودة، ومع ذلك يلاحظ المراقبون ارتفاعاً كبيراً في التوتر في الشرق الأوسط بين محوري الصراع في المنطقة: إيران من جهة، وتحالف دول عربية مركزية مع إسرائيل من جهة أخرى. فرغم أن واشنطن تمر بمرحلة وقت ضائع بين تسلم السلطة والتصدي للملفات العاجلة والساخنة بين يدي الرئيس بايدن، وبين بلورة الإدارة الجديدة سياسة خارجية جديدة، لا سيما بالنسبة الى الشرق الأوسط، يبدو الإيرانيون أكثر الحاحاً على بايدن لكي يتخذ قرارات تعاكس القرارات التي اتخذها سلفه دونالد ترامب بالنسبة الى العقوبات، والموقف من البرنامج النووي طبعة 2015 وتبطلها من أجل العودة الى مرحلة ما قبل ترامب الذي أخرج بلاده من الاتفاق النووي.
 
ويظهر إلحاح الإيرانيين الكبير على بايدن ومحيطه لاتخاذ قرار بالعودة الى مرحلة 2015 من خلال تصريحات لم تتوقف من جانب الرئيس الإيراني حسين روحاني الذي دعا الى العودة الى الاتفاق رافضاً الخوض في أي ملف آخر قبل إبطال العقوبات التي أصدرها الرئيس السابق دونالد ترامب، وكذلك تصريحات أدلى بها وزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي كتب أيضاً مقالاً في مجلة "فورين افيرز" الواسعة التأثير في أوساط السياسة الخارجية الأميركية، يعتبر فيه أن إيران ترفض الحديث عن أي ملف من خارج نص الاتفاق النووي طبعة 2015، وأن المطلوب هو رفع العقوبات تماماً، ويمكن بعدها أن تجلس إيران الى طاولة حوار مع الولايات المتحدة وشركائها لبحث أي ملف مشترك.
 
هذا الإلحاح الإيراني على الرئيس الأميركي الجديد مردّه الى الأذى الكبير الذي الحقته العقوبات الأميركية التي أنزلها ترامب بالاقتصاد والمالية الإيرانيين، والى المصاعب الهائلة التي تعاني منها طهران على الصعيد التجاري مع انخفاض صادرات النفط الى أقل من الربع مقارنة بالعام 2016. أكثر من ذلك شعر الإيرانيون خلال مرحلة ترامب بأن الولايات المتحدة مستعدة لمواجهة التحرشات الإيرانية تجاه الوجود الأميركي في المنطقة، بعنف كبير، لا بل إن واشنطن ومنذ أن تسلم وزير الخارجية السابق مايك بومبيو ملف المواجهة مع إيران، استعادت المبادرة في لعبة المواجهة المنخفضة الوتيرة مع طهران، وذهبت الى أبعد من ذلك باستهداف المسوؤل الأول عن السياسة التوسعية الإيرانية في الشرق الأوسط قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني وتصفيته علناً قرب مطار بغداد مطلع السنة الماضية، ثم التعاون مع الإسرائيليين طوال السنة الفائتة على توجيه ضربات قاسية لمواقع استراتيجية متصلة بالبرنامجين النووي العسكري، والصاروخي الباليستي الإيرانيين في قلب إيران نفسها، لتنتهي السنة بتصفية من كان يعتبر في الداوئر الاستخبارية الدولية منسق البرنامج السري لـ"انتاج القنبلة النووية الإيرانية" محسن فخري زاده في العاصمة طهران.
 
وأكثر من ذلك لم تتوقف الضربات الإسرائيلية المنسقة مع الأميركيين الذين أعطوا إسرائيل في المدة الأخيرة معلومات استخبارية ثمينة مكنتهم من توجيه ضربات موجعة لخطوط التواصل الإيرانية الاستراتيجية بين العراق وسوريا ولبنان، وكانت آخر الضربات تلك الغارات التي استهدفت مواقع استراتيجية تحتوي على مخازن لتجميع صواريخ دقيقة في منطقة البوكمال، ومدينة دير الزور في القاطع الشرقي من سوريا. كل هذه العوامل شكلت ضغطاً عسكرياً واستخبارياً كبيراً على الإيرانيين الذين يتوقون للعودة الى "شهر العسل" الذي كان قائماً خلال ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما، والذي يعود عدد كبير من فريقه في السياسة الخارجية الى الإدارة الأميركية مع الرئيس جو بايدن. 
 
لكن الإلحاح الإيراني ليس الحاحاً هادئاً، بل يتسم بمحاولة طهران العودة الى سياسة الابتزاز الأمني في المنقطة عبر رفع منسوب التوتر لدفع الأميركيين الى رفع العقوبات، وتجنب ربط أي ملف خلافي آخر بالعودة الى الاتفاق النووي. فالتوتير في العراق قائم على قدم وساق، من خلال الهجمات الصاروخية على "المنطقة الخضراء" في العاصمة بغداد التي تضم مقر السفارة الأميركية. والعودة المشبوهة لبقايا تنظيم "داعش" الى العمل (ربما المأجور) عبر تفجيرات في قلب العاصمة، والضغط على حكومة مصطفى الكاظمي، إضافة الى تكثيف عمليات تسلل الميليشيات الإيرانية على اختلافها نحو الجنوب السوري المحاذي للحدود مع الإسرائيليين، وتعليق الحياة السياسية والحكومية اللبنانية، كلها أوراق تجمعها طهران في الوقت الضائع الذي قد يطول أسابيع عدة، وربما اشهراً قبل أن يبلور الرئيس الأميركي سياسة واضحة تجاه الشرق الأوسط، خصوصاً أن عدداً من المشرفين على السياسة الخارجية في الإدارة مثل المرشح لتولي منصب وزير الخارجية انتوني بلينكن صرحوا ويصرحون يومياً بأن العودة الى الاتفاق النووي الإيراني لن تكون رحلة سريعة أو سهلة، ويربطون أي تفاوض جدي مع الإيرانيين بالتشاور مع الحلفاء حول الأمر، ما يعني أن حقائق جديدة رسخها ترامب خلال ولايته بالنسبة الى إيران سوف تجعل المقاربة الأميركية للتحدي الإيراني أكثر تعقيداً مما يعتقده البعض.
 
نحن في مرحلة الوقت الضائع، وفي هذه المرحلة يبقى منسوب المخاطر عالياً في ظل الفراغ الأميركي الراهن، حيث يسعى أطراف الصراع في المنطقة الى توسيع هوامشهم الاستراتيجية، والى تجميع أكبر قدر من الأوراق قبل الجلوس الى طاولة جو بايدن!
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم