إعلان

الأمر أسوأ من سرقة التراث

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
ملكات بأثواب فلسطينية في إسرائيل
ملكات بأثواب فلسطينية في إسرائيل
A+ A-
كان من الممكن والأفضل تفادي الزج بشابة، اتضح أنها بسيطة، وتجنيبها تسونامي الإحراج الذي سيطبع حياتها ويطاردها مثل كابوس حي، عبر مشاركتها غير المفهومة في مسابقة ملكة جمال العالم التي نظمتها إسرائيل في مدينة إيلات في الأسبوعين الماضيين، "منار" مثلت مملكة البحرين، وهي العربية الثانية بعد المغربية "كوثر" التي تفادت على نحو ما مصير زميلتها، وبدا إعدادها ودفعها للمسابقة أكثر مهنية.
 
المسابقة برمتها تحولت الى موضوع سياسي بعد رفض ملكة جمال اليونان المشاركة احتجاجاً على السياسات الاحتلالية والعنصرية التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، كذلك بعد موقف جنوب أفريقيا الرافض للمشاركة للأسباب نفسها، ولأنهم في جنوب أفريقيا يعرفون أحابيل النظام العنصري وأدواته.
 
وبسبب الحملة المنظمة التي خاضتها حركة المقاطعة الفلسطينية، "ال بي دي اس"، والتي جعلت من مجرد إقامة المسابقة في إسرائيل نوعاً من الموافقة على الاحتلال وفاشية المستوطنين، وسياسات التهجير والقتل والاعتقال.
 
هكذا أعيد فتح النقاش في السلوك الإسرائيلي الاحتلالي والنزعة العسكرية المتغطرسة التي تتصف بها حكومة نفتالي بينيت تجاه العالم، من محاولة تعطيل العودة الى الاتفاق النووي، الى توزيع نظام بيغاسوس على الأنظمة المتوترة، الى دفع الطائرات المسيرة الى المتحاربين وصولاً الى أذربيجان. 
 
تحمل إسرائيل الرؤوس النووية خاصتها وتتظاهر تحت طاولة المتفاوضين في فيينا، تضع أجهزة بيغاسوس في كل زاوية من العالم، وتنظم مسابقة لملكات الجمال في إحدى المدن التي احتلتها على البحر الأحمر في آذار (مارس) من العام 1949.
 
فكرة مسابقات ملكات الجمال ينظر اليها من أكثر من زاوية كوسيلة تسويقية لجمال المرأة ضمن نمطية السوق، ويذهب بعض المعارضين الى أنها نوع محدث من تسليع المرأة نفسها، المنظمات النسوية وحقوق الإنسان تذهب أبعد من ذلك وتعتبر الفعالية وشبكة البرامج المتفرعة منها، الإعلانات التجارية وجولات التسويق والأزياء والعقود الموقعة، قناعاً معاصراً لسوق نخاسة تسوقه ثقافة الرقيق والجواري.
 
الحقيقة أن المأساة تكمن في فكرة المسابقة التي تنسجم على نحو دقيق مع نظام أبارتهيد معاصر. هنا يمكن إبصار العمى الأخلاقي الذي يسوق العرض الجسدي على أنه حرية.
 
حتى الصور الملتقطة على نطاق واسع للمشاركات في المسابقة وهن يرتدين التوب التقليدي الفلسطيني، كانت لتقديم تعددية إسرائيل واحتفائها بثقافة الفلسطينيين وتاريخهم، وهذا الهدف أكثر خطورة وخبثاً من محاولة الاستيلاء على الثوب، الذي اتضح بعد محاولات متواصلة لطمسه ضمن برنامج طمس الثقافة الفلسطينية وهويتها الثقافية، أنها عملية مستحيلة، ولكن الالتفاف حول الفكرة وتبني التاريخ الفلسطيني كجزء من تعددية إسرائيل يبدو أكثر معاصرة ودهاء.
 
خارج الصورة هناك الكثير مما تقوم به إسرائيل ومنظومتها الاحتلالية، بين ذراعي الكماشة التي أحاطت بها وأطبقت عبرها على أي إمكانية يمكن أن تفكر بها السلطة الفلسطينية للتصرف اقتصادياً وأمنياً، المقصود هنا اتفاقية باريس الاقتصادية من جهة والتنسيق الأمني من الجهة الأخرى، التداخل الذي يحكم أي محاولة فلسطينية رسمية للتصرف "تنموياً"، اتفاقية باريس هي التعبير الأدق عن السذاجة والارتجال وغياب الخبرة والكفاءة لدى المفاوض الفلسطيني والتوأم السيامي للتنسيق الأمني، كلاهما الاتفاقية والتنسيق يتغذيان على غياب مخيلة السلطة ورغبتها في البقاء.
 
عودة الى الملكة العربية الحزينة في مسابقة إيلات، فقط من باب إضافة صفة النموذج المثالي لـ "ضحية كل شيء".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم