إعلان

هل يُلدغ حمدوك مرتين من جحر البرهان؟

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
البرهان وحمدوك
البرهان وحمدوك
A+ A-
لم يكن الضغط الخارجي هو ما حمل قائد الجيش السوداني على رفع الإقامة الجبرية عن رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك. إذ إن الخارج كان يساوم الجيش السوداني أكثر مما يضغط عليه. وقرار وقف المساعدات الأميركية وتعليق قرض صندوق النقد الدولي وبعض الإجراءات الأوروبية، كانت لتنال من الشعب السوداني أكثر مما ستنال من الجنرالات.
 
الأمر الوحيد الذي حمل البرهان على التراجع والقبول بإعادة حمدوك إلى رئاسة الوزراء، كان السودانيون أنفسهم الذين نزلوا إلى الشوارع، على رغم القمع الدامي واستخدام الرصاص الحي لتفريق المطالبين بالحكم المدني. لقد أظهر السودانيون تصميماً وشجاعة في مواجهة الإجراءات الانقلابية، التي اتخذها البرهان في 25 تشرين الأول. يومذاك، قرر العسكريون فض الشراكة مع المدنيين في مجلس السيادة الذي تأسس في آب 2019، بناءً على الإعلان الدستوري. هذا الإعلان، كان ثمرة إطاحة الانتفاضة الشعبية حكم البشير، بعد 30 عاماً من الحكم العسكري والانتخابات الشكلية.   
 
وحدهم السودانيون وبالدماء التي نزفت منهم جعلوا البرهان يتراجع. لكنه تراجع تكتيكي لاستيعاب حركة الاحتجاج المتصاعدة ضد العودة إلى الحكم العسكري. والسودانيون وحدهم من أسقط مقولة البرهان التي برر بها انقلابه، ألا وهي أنه يريد "تصحيح مسار الثورة". وهو يعني بذلك الثورة الشعبية التي أطاحت حكم البشير في نيسان 2019.    
 
الثورة التي يتحدث عنها البرهان، لم يحرفها عن مسارها سوى إجراءات الجنرالات التي لم تكن تريد تسليم رئاسة مجلس السيادة إلى المدنيين في تشرين الثاني الجاري، كما نص الإعلان الدستوري. وفي الأشهر الأخيرة، فعل الجنرالات كل ما في وسعهم لوضع العراقيل أمام حكومة حكومة حمدوك، وجيشوا ضده الشارع بعد الإصلاحات الاقتصادية التي أدخلها في سياق المفاوضات مع صندوق النقد، من أجل انتشال الاقتصاد السوداني المدمّر بفعل سنوات حكم البشير والعزلة الخانقة، التي فرضت على السودان في العقود الثلاثة الماضية.   
 
واستغل البرهان نقمة جزء من الشارع السوداني على الأوضاع الاقتصادية، ودفع بهم إلى التظاهر كي يطالبوا بالحكم العسكري وإقصاء المدنيين بالكامل من الحكومة. وكانت هذه قمة المهازل التي دبرها الجنرالات، كي يمهدوا الأرضية لانقلابهم ويوجدوا شارعين متقابلين في السودان، ويبرروا الانقضاض على اتفاق الشراكة في مجلس السيادة.   
 
واليوم، لا يعني تراجع البرهان والاتفاق الذي أبرمه مع حمدوك للعودة إلى رئاسة الوزراء نهاية المطاف. فمن يضمن أن عملية الانتقال إلى الحكم المدني ستمضي في طريقها، وأن العسكريين بعد أن يستوعبوا نقمة الشارع والضغوط الدولية، لن يحاولوا مجدداً الإمساك مجدداً بكل مفاصل القرار في السلطة.   
ولذا، يبقى الضغط الشعبي هو الضامن الأول لعملية الانتقال الديموقراطي في السودان، وليس أي اتفاق يبرمه البرهان، ليتخلص منه عندما يرى أن الظروف مؤاتية له.   
 
وفي العمق، لا يريد الجنرالات سلطة مدنية في السودان، وكانت دائماً شهيتهم مفتوحة على الحكم. ووحده المشير عبد الرحمن سوار الذهب، الذي عزل جعفر النميري، سلّم السلطة إلى حكومة منتخبة. ثم ما لبث البشير أن انقض على  الحكم المدني الذي لم يدم سوى بضع سنوات. 
 
نجح السودانيون في الأيام الأخيرة في استعادة زخم الانتفاضة التي أسقطت البشير. وهم الآن أمام فرصة لمواصلة الضغط على الجنرالات كي يعودوا إلى ثكناتهم ويذعنوا لمطلب الذهاب إلى انتخابات حرة ونزيهة، تنبثق عنها مؤسسات حكم مدني، وإنهاء مهزلة الشراكة في الحكم. وهذه بدعة ثبت فشلها.   
وما يبدو كأنه تنازل من قبل الجنرالات، إنما هو في حقيقة الأمر، محاولة أخرى للحكم بواجهة مدنية، وضمان ديمومة الإمساك بالسلطة أطول فترة من الوقت.    
إن ضمان عملية الانتقال الديموقراطي في السودان هي اختبار أيضاً لمدى صدقية القوى الدولية وفي مقدمها الولايات المتحدة، التي تطالب في العلن بالديموقراطية بينما هي في الواقع يهمها ضمان مصالحها الخاصة قبل كل شيء.
الثقة يتعيّن أن تُمحض للشعب السوداني وحده.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم