إعلان

الجزائر: من الذي يُعطّل "مصالحة الذاكرة"؟

المصدر: النهار العربي
أزراج عمر  
أزراج عمر  
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والجزائري عبدالمجيد تبون
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والجزائري عبدالمجيد تبون
A+ A-
عادت هذا الأسبوع أزمة ما يسمى "مصالحة الذاكرة" بين فرنسا والجزائر إلى الواجهة مرَة أخرى لتؤزم العلاقات بين البلدين مجدداً بعد انفراجات شهدتها في مرحلة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.
 
يوم الجمعة الماضي صرَح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تصريحين متناقضين حيث قال في أحدهما، إن الرئيس عبد المجيد تبّون شجاع، ثم أضاف قائلاً إنه مستعد لأن يساعده في تجاوز المشكلات التي ما فتئت تعترض سبيل الاستقرار السياسي الجزائري. وفي الثاني، أكد بصراحة وذلك في حواره مع مجلة "جون أفريك" أن فرنسا تعتقد أنَ معالجة أزمة الذاكرة مع الجزائر لا تكون بتقديم اعتذار عن جرائم الحقبة الاستعمارية الفرنسية وإنما بتجسيد المصالحة بين البلدين، الأمر الذي يعني أن إدارته ترفض من خلال المواربة فتح ملفات الجرائم التي ارتكبها الجيش الفرنسي في الجزائر منذ عام 1830 إلى 1962 من القرن الماضي أو تقديم التعويض المادي والمعنوي للجزائر، كما يُفهم من لهجة الرئيس ماكرون أنه غير راضٍ عن وجهة نظر السلطات الجزائرية التي يرى أنها تعيد إنتاج ثقافة الصراع مع فرنسا بدلاً من فتح صفحة جديدة لعلاقات التعاون الاقتصادي والصناعي والثقافي الخالية من آثار الحرب.
 
بعد هذه التصريحات للرئيس ماكرون، يُتوقع أن ينفجر خلاف حاد آخر بسبب التلويح الفرنسي بمشروع تعده دوائر صنع القرار في الدولة الفرنسية يقضي بمنع تمويل الجزائر لمسجد باريس وتعيين أئمته، علماً أن هذا المعلَم الديني هو من ممتلكات الجزائر ويتلقى تمويلاً جزائرياً مقداره أكثر من سبعة ملايين يورو سنوياً. وتعتبر السلطات الجزائرية أن أي تدخل فرنسي في شؤون هذا المعلم الديني، تمويلاً وإدارة، هو اعتداء على الملكية الجزائرية وعلى أمن الجالية الجزائرية المسلمة والمواقع التي تُمارس فيها العبادة. 
 
وفي هذا الخصوص، انتقد وزير الشؤون الدينية الجزائري السابق ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحالي، أبو عبدالله غلام الله، في تصريح أدلى به الأحد الماضي لوسائل الإعلام االجزائرية، الموقف الفرنسي واتهمه بأنه يقسم الإسلام إلى إسلامين متضادين وهما إسلام فرنسا العلمانية وإسلام الجزائريين الذي تعوّد كل من الخطاب الفرنسي الرسمي واليمين المتطرف معاً على وصمه بالأصولية المتزمتة المتناقضة مع مبادئ العلمانية الفرنسية.
 
واللافت للنظر هو أن عدداً من وسائل الإعلام الجزائرية الخاصة التي تتلقى تمويلاً من الدولة، شنت خلال هذا الأسبوع هجوماً لاذعاً على الرئيس ماكرون متهمة إياه بالتدخل السافر في شؤون الجزائر والدول الأفريقية الأخرى، أما وسائل الإعلام الرسمية فلم تصدر عنها مثل هذه الانتقادات الحادة، ما يعني أن الموقف الجزائري الرسمي ليس متطابقاً مع ما يصدر عن جهات تعبر عن رأيها الخاص فقط. 
 
وفي الحقيقة، فإن صيغة مصالحة الذاكرة التي تطرحها فرنسا على لسان رئيسها إيمانويل ماكرون كثيراً ما توصف بأنها معتدلة، والدليل على ذلك أن فصائل اليمين الفرنسي المتشدد ترفضها كلية، أما التيار الفرنكوفوني الجزائري، مثلاً، فينظر إليها كمدخل أولي ينبغي تشجيعه لأنه سيساهم مستقبلاً في تهيئة مناخ للانفراج النفسي والسياسي، ما يساعد على فتح الملفات الكبرى العالقة وفي مقدمها وثائق الحرب المختلفة وملف التجارب النووية الفرنسية المحرمة دولياً والتي أجراها الجيش الفرنسي في الصحراء الجزائرية، وملف الإبادة الجماعية لآلاف الجزائريين العزل بواسطة الأسلحة البيولوجية والكيميائية، فضلاً عن ملفات خطيرة أخرى.
 
وفي هذا السياق، نجد التيارات المتشددة في المشهد السياسي الجزائري تعتبر رفض فرنسا تقديم اعتذار عن جرائمها الاستعمارية هي دليل قاطع على غياب النية الصادقة لدى القيادة الفرنسية لتجاوز موروثات الكولونيالية القديمة. 
 
على الرغم من كل انتقادات النظام الجزائري لتسويف فرنسا تقديم الاعتذار الرسمي للجزائريين، هناك من يرى أن الجزائر مقصرة أيضاً حيث أنها تتحمل مسؤوليتها في عدم التهيئة الجدية لمناخ صحي كفيل بفتح أفق التفاوض مع فرنسا الشعبية وفرنسا الرسمية معاً من أجل إيجاد حل عادل مشترك لملف الذاكرة الاستعمارية الكلاسيكية، بهدف بناء أسس صلبة للعلاقات الفرنسية – الجزائرية الأكثر تطوراً في مرحلة الاستقلال. 
 
يرى منتقدو هذا السلوك النمطي السلبي للنظام الجزائري أن فرنسا توفر منح التقاعد لآلاف الجزائريين الذين خدموا في مؤسساتها المختلفة ثم عادوا إلى بلدهم الأصلي، كما أنها ترعى أفراد الجالية الجزائريين الذين يقدر تعداد المقيمين منهم على الأراضي الفرنسية التقليدية بخمسة ملايين أو أكثر، وتوفر لهم العمل والسكن والعلاج والتعليم، والرعاية الاجتماعية في حالة فقدانهم للعمل إلى جانب رعايتها أيضاً لما يقارب خمسين ألف جزائري يعيشون في الأراضي الفرنسية في كاليدونيا الجديدة وغويانا. وتحاجج فرنسا ومعها قطاع مهم من المواطنين الجزائريين في داخل الجزائر، ومعظم المهاجرين الجزائريين، أن المسؤولين في الدولة الجزائرية لم يقدموا لهؤلاء يد العون لتنظيمهم وتثقيفهم وحمايتهم مادياً وثقافياً ونفسياً.
 
وتفيد الوقائع أيضاً أن أفراد الجالية الجزائريين المقيمين في كاليدونيا الجديدة وغويانا الفرنسيتين محرومون من الحصول على جنسية يلدهم الوطنية، ومن حقهم الطبيعي الوصول إلى المناصب العليا في الدولة الجزائرية، واستعادة ممتلكات آبائهم وأمهاتهم التي تركوها وراءهم بعد نفيهم من الجزائر، إضافة إلى حرمانهم من المدارس وأطر التعليم الجزائرية التي تدرس لأبنائهم لغة أجدادهم فضلاً عن عدم إدماجهم في أي أطر سياسية أو اجتماعية أو ثقافية توفر لهم الشعور بالمواطنة الجزائرية وتربطهم بالهوية الثقافية الوطنية التي حرم منها أجدادهم المجاهدون الذين نفاهم الجيش الفرنسي إلى ما وراء المحيطات منذ قرن ونصف القرن. 
 
 
لاشك أن ملف هذه الجالية الجزائرية  المقيمة  في فضاء فرنسا التقليدي  وفي أراضيها وراء البحار والمحيطات هو جزء عضوي من  مصالحة الذاكرة  كما أن نضال آلاف المواطنين والمثقفين والمفكرين والسياسيين الفرنسيين والفرنسيات الذي وقفوا ، أو وقف أباؤهم وأمهاتم  ، إلى جانب حركة التحرر الوطني الجزائري بالمال والسلاح  وبالمواقف الفكرية واليسياسية هو جزء أساسي آخر من  مصالحة الذاكرة  المنسية  التي لم يسع  النظام الجزائري على مدى 57 سنة من الاستقلال إلى نفخ الحياة فيها.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم