إعلان

من يُعطي الآخر أكثر الولدُ أم أهلُه؟

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
الأهل والأولاد
الأهل والأولاد
A+ A-
في نظر الغالبيّة الساحقة من الناس، الأهل هُم الذين يعطون الولد، يعطونُه مجاناً من دون مقابل، ويعطونُه باستمرار من دون توقُّف. والشعور السائد بين غالبيّة الناس هو أن الولدَ لا يُقدّم شيئاً لأهله، وإنْ هو أراد ذلك، فإنّ أهلَه لا يبتغون منه شيئاً، بل هُم يريدون له النجاح، ولا يتوقّعون منه أيّ دعمٍ ماديّ أو غيره. 
 
لكنّي في الآونةِ الأخيرةِ بدأتُ أنظر إلى هذه المسألة من زاويةٍ مختلفة، ربّما لأنّي أصبحتُ أباً قبل ستّ عشرة سنة، ولأنّ هذه الفترة كانت كافية لتغيير رأيي. لقد تغيّرَت نظرتي إلى الأمور. بتُّ الآن أعتقد أنّ ولدي يعطيني ما لا يقلّ عمّا أُعطيه أنا. ولولا خوفي من الاتّهام بالمزايدة أو المبالغة، فإنّي أكاد أقول إنّه يعطيني أكثر ممّا أُعطيه. قبل كلّ شيء فإنّ ولدي أعطاني الأبوّة. أنا من دونه لستُ أباً. صحيحٌ أنّ الأبوّةَ هي عطيّة من الله، لكنّ الله اختارَ أن يكون ولدي هو الوسيلة، هو القناة التي هبَطَت العطيّة عليّ من خلالها. 
 
كذلك فإنّ ولدي أعطاني مشروعاً لحياتي أحيا من أجله. وهل تعتقدون أنّ هذا الأمر هو بالشيء القليل؟ قبل ولادته كُنتُ أعمل وأركض في ميادين الحياة، ولا شكّ في أنَّ حياتي المهنيّة كانت تأخذ منّي الجهد والوقت الكبيرَيْن. في مرحلةٍ من المراحل تشعر وكأنّ مشروعَك الحياتي بات تنميةَ مسارِك المهني. لكنّ مع مجيء إبني إلى الحياة، شعرتُ أنّ مشروعي تغيّر نحو ما هو أسمى وأرفع. بات عملي وجهدي وكلّ ما يتعلّق بالمسار المهني له هدف. لم يعد النمو المهني وحدَه هو الهدف، بل بات توفيرُ مستقبلٍ أفضل لولدي هو هدفي. وهذا يعني أنّ ولدي أعطاني مشروعاً للحياة الذي لولاه لما كانت حياتي تذوّقَت هذا الطعم الجميل. 
 
كذلك فإنّ ولدي أعطاني دروساً للحياة ثمينةً وكثيرةً ورائعة. بحسب الظاهر أنتَ من تربّي ولدك. لكن في العمق هو الذي يشذّبك ويعطيك دروساً كثيرةً. ولدي علّمني الصبر، ولدي علّمني التخلّي عن أنانيّتي، هو علّمني أهميّة التواصل الإيجابي، وهو الذي علّمني أنّ أهمّ مهارة في الحياة هي مهارة الإصغاء. قبل ولدي كُنتُ أُحبّ الكلام أكثر. معَه بتُّ أُدركُ أهميّة الإصغاء.
 
ولدي علّمني التواضع لأنّ "الولد بيكسر الراس"، أليسَ هذا ما يقوله المثل الشائع عندنا؟ وأخيراً ولدي أعطاني سبباً، لا بل أسباباً للفخر. عندما تسمع أشياء جميلةً عن ولدكَ تشعر بالفخر. هذا لا يعني أنّك من دونه لا تشعر بالفخر بفضل أمورٍ كثيرة في الحياة، لكن معه فإنّ أسبابَ الفخر باتت أكثر وخصوصاً بفضل الأخبار المفرحة الواردة من المدرسةِ وأهلِ أصدقائه. 
 
ولدي إذاً أعطاني الأبوّةَ ومشروعاً لحياتي ودروساً ثمينةً للحياة ولم ينسَ أن يعطيني الفخر، فمن تراه يكون أعطى الآخر أكثر؟ أنتَ أم ولدُكَ؟ أعتقد أنّه هو المعطي الأكبر بعد الله.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم