إعلان

مأساة الانتفاضة اللبنانيّة المهدورة... وأوهام سطوة السلاح والقوة!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
ابراهيم حيدر
مشهد الانتفاضة اللبنانية تغيّر بعد عام على انطلاقتها.
مشهد الانتفاضة اللبنانية تغيّر بعد عام على انطلاقتها.
A+ A-
قيل الكثير عما سيحدث في الساحات والشوارع في لبنان بعد مرور عام على انتفاضة اللبنانيين ضد السلطة الفاسدة والتحالف السياسي الحاكم، خصوصاً بعد انهيار القدرة المعيشية لدى اللبنانيين، وأن الانتفاضة لن تتأخر بالعودة في زخم أقوى وأكثر فاعلية، طالما أن النظام والطبقة السياسية يحمّلان الأكثرية الساحقة من اللبنانيين كلفة السياسات التي أنهكت البلد مالياً واقتصادياً، وأفقرته. لكن الأمور أخذت مساراً آخرَ، فتبيّن أن الانتفاضة أُنهكت إلى حد لم يعُد في إمكانها استقطاب الناس وحشد الألوف المتضررين من الإفلاس، فإذا في مرور عام على انطلاق شرارتها، يعيد النظام السياسي اللبناني بتحالفه الحاكم لملمة وضعه وترسيخ قواه ليقرر المضي بالهيمنة على مقدرات البلد.
 
ظهرت الانتفاضة في حالة بؤس شديد، وهي التي تمكنت في الأيام الأولى لانطلاقها في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، من إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري الثانية في عهد رئيس الجمهورية ميشال عون، فنزلت الناس إلى الشوارع من خارج الوصايات، وبلا أجندات أو دعوات مسبقة، وواجهت محاولات القبض عليها ومصادرتها وتوظيفها لأهداف سياسية ضيقة تشوّه أهدافها. لكن في ميلاد الانتفاضة الأول، عاد سعد الحريري رئيساً مكلفّاً تشكيل الحكومة، وهو الحريري غير الذي عرفناه قبل سنة، فيعود على وقع تطورات محلية وإقليمية، من بينها انفجار 4 آب (أغسطس) المروّع في مرفأ بيروت وانطلاق عملية مفاوضات ترسيم الحدود اللبنانية - الإسرائيلية في رعاية أميركية.
 
في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2020 نزلت الانتفاضة إلى الشارع وكأنها تعلن إنهاء نفسها، وهي الانتفاضة المهدورة التي شكلت فرصة للتغيير مع ساحات الربيع اللبناني الناشئ، وعلامة مضيئة في تاريخ البلد، وذلك بعدما تعرضت لشتى أشكال الضغوط بتطويق التظاهرات لإخمادها ووأد الربيع من الجنوب إلى الشمال وبيروت، ليس من طريق القمع المباشر، إنما من خلال تمرّس قوى الأمر الواقع وهيمنتها على كل أساليب مصادرة حقوق الناس وتطويعها باستنفار الغرائز واستثارة العصبيات لدى جمهورها لتفكيك الحراك الشعبي الناشئ. 
 
تشتت الانتفاضة ناتج من تجذر قوى النظام السياسي والطائفي اللبناني في السلطة وقدرتها على الهيمنة والإمساك بكل مفاصل الدولة، فإذا بنا اليوم، نجد في لحظة الانهيار اللبناني الحرجة، عودة إلى الصيغ التي حكمت البلد مع أرجحية لفائض القوة المتمثلة بـ"حزب الله"، وإنْ كان تكليف الحريري يشكل اختراقاً للوضع القائم، من دون أن تكون لدى رئيس "تيار المستقبل" القدرة على فرض وقائع جديدة، إلا من خلال التقاطع مع "الثنائي الشيعي" المتمثل بـ"حركة أمل" برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري و"حزب الله"، فيما لدى العهد المتمثل بالرئيس ميشال عون شروط سياسية، وهو لا يريد التنازل عن مكاسبه التي حققها بالتحالف مع "الحزب" وإمساكه بالقرار خلال ولاية حكومة حسان دياب المستقيلة. 
 
طويت صفحة الانتفاضة اللبنانية، لكنها لم تنتهِ، إذا كان من غير الممكن اليوم تشكيل حكومة اختصاصيين بعيداً من المحاصصة السياسية والطائفية، فالضغوط الدولية ساهمت في إعادة تكليف الحريري وهي تدفع لتشكيل سريع للحكومة بالتوازي مع ضغط أميركي لإنجاز عملية الترسيم سريعاً أيضاً، وإن كانت واشنطن تواصل فرض عقوبات على "حزب الله". لكن الانتفاضة في وضعها الراهن لا تستطيع التأثير ولا ممارسة ضغوط على الأرض لإسقاط التكليف الجديد للحريري. 
 
التركيب السياسي الجديد لمحاصصة النظام والمستند إلى وضع إقليمي ودولي جديدين، على رغم أوهام الإصلاح من الطبقة السياسية نفسها، سيضع اللبنانيين أمام معادلة جديدة لن يجدوا معها إلا الانتظار لتبلور مناخ مختلف يعيد النبض إلى حركة جديدة وانتفاضة تتأسس على قواعد مختلفة. وفي هذا لا يمكن أن تكون الانتفاضة جزءاً من الاصطفافات القائمة بين أهل السلطة، لا في إعلان الحرب من عون على الحريري ولا في حسابات "حزب الله" المحلية والإقليمية، وهو الذي كان الطرف الذي ساهم في تشتيت الانتفاضة بفائض قوته ومصادرتها، من دون تبرئة أطراف أخرى على المقلب الآخر عملت على توظيفها لحسابات سياسية ومذهبية ضيقة. 
 
المجتمع الدولي والخارج عموماً، ينتظران تركيبة الحكومة ومهمتها وبرنامجها، وما الذي يمكن تحقيقه لتقديم المساعدات، وهما اليوم سيكونان الأكثر تأثيراً في الوضع اللبناني وتحديد مساره، بعدما تهمّش الداخل الذي شكلت الانتفاضة قبل عام بربيعها الناشئ عنصر التأثير الأول، وهو الأمر الذي يعني أن المسار سيكون طويلاً ومعقداً، نظراً الى الخلافات الجوهرية والصراع والانقسام على كل الملفات. وقد تكون نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية والمفاوضات الإقليمية والدولية، عاملين مسهلين لتشكيل الحكومة اللبنانية وإعادة ترتيب النظام اللبناني وإعطاء جرعة دعم للقوى الحاكمة لتتنفس مجدداً على حساب اللبنانيين.
 
كل ما حدث خلال عام، كسر النبض اللبناني العابر للطوائف، فيما أهل الثورة غير موحدين على المطالب ولم يمكنهم إسقاط النظام. أُخمدت الانتفاضة بالقوة، وإن بطرق غير مباشرة، لكن مشكلتها كانت رهاناتها المتسرّعة، فيما مجموعاتها تعرف أن لبنان بلا قوى حيّة ولا نقابات قادرة على استقطاب المتضررين من السياسات التدميرية للنظام، فها هي تتفكك تدريجاً وتصل الأمور الى حد نسل السلطة يدها من الإجراءات الإصلاحية. لكن إحداث التغيير يلزمه وقت وشروط ومناخات تتجاوز القمع المقنع والتخوين في ساحات الربيع...
 
@ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم