إعلان

التكنوقراط أو عندما تموت السياسة!

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
علما تونس والمغرب
علما تونس والمغرب
A+ A-
في توقيت متزامن - تقريباً - برز نقاش في كل من لبنان وتونس والمغرب حول ضرورة تولي التكنوقراط المسؤوليات الحكومية، البلدان الثلاثة لها قواسم كثيرة مشتركة من حيث الحياة المدنية، الحريات العامة، دينامية الحياة السياسية والحزبية، كما أنها تحتل المراكز الأولى من بين بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لسنوات متوالية في مؤشر الديموقراطية، إذ تتصدر تونس، التي تصنف وحيدة في المنطقة ضمن نادي الديموقراطيات المعيبة، المركز الأول عربياً (53 عالمياً)، يليها المغرب في المركز الثاني وهو مصنف ضمن الأنظمة الهجينة (96 عالمياً)، ثم لبنان في المركز الثالث ضمن تصنيف المغرب نفسه أي الأنظمة الهجينة (106 عالمياً)، غير أن كل بلد له سياقه الخاص الذي يرد فيه الحديث عن التكنوقراط. 

في لبنان، بعد تورم الحياة الحزبية بخلفيتها الطائفية، ما عادت القيادات السياسية الموروثة عن الحرب الأهلية والقائمة على المحاصصة الطائفية، تحظى بالقبول والثقة من قبل اللبنانيين، وعندما رفع شعار "كلن يعني كلن" كان ذلك بمثابة الحقيقة عارية، فتوالي السنين كشف أن النخبة السياسية والحزبية بولاءاتها الخارجية وانتماءاتها الطائفية، اعتبرت أنها ستظل بعيدة عن المساءلة، وأن منظومة الفساد لا يمكن أن تفكك، وأن المس بالبنية الطائفية للدولة هو خط أحمر، ووراء هذا الخط يمكن للفساد أن يتحصن وأن يستمر، ما دفع طيفاً واسعاً من اللبنانيين إلى الاعتقاد أن التكنوقراط وحدهم المتحررين من القيد الطائفي هم القادرون على تخليص لبنان من السقوط الحر في خانة الدول الفاشلة، هذه القناعة، بغض النظر عن كونها تتناقض مع المبدأ الذي يجعل الدولة الديموقراطية هي دولة الأحزاب، فإنه يعبر تعبيراً مكثفاً عن موت السياسة في لبنان، حيث تصبح السياسة تهمة والحزبية مجرد عنوان لطائفة. 

في تونس التي ما زالت تقاوم لإنجاح ربيع الياسمين، والتي قامت فيها الثورة ضد هيمنة الحزب الوحيد وضد هلامية التعددية الحزبية والسياسية على عهد الراحل زين العابدين بن علي، ارتفعت أصوات بمناسبة تشكيل الحكومة الحالية، تطالب بتخليص التركيبة الحكومية من السياسيين والدفع بالتكنوقراط إلى واجهة تدبير الشأن العام، وذلك بعنوانين عريضين، الأول يستهدف نزع الهيمنة الحزبية والمصالح المرتبطة بها، وتقدير ذلك يقوم على أن الحزبية أصبحت تمثل تضييقاً على مساحات تدبير الشأن العام، والعنوان الثاني يرمي إلى تلمس طريق النجاعة والإنجاز لإخراج البلاد من عنق الزجاجة في المجال الاقتصادي وتداعياته الاجتماعية، هذا التوجه، فضلاً عن كونه يناقض جوهرياً المسار الثوري، فإنه يطرح كثيراً من الأسئلة حول جدوى الانتخابات والأحزاب إذا كان تدبير الشأن العام سيؤول في النهاية إلى تكنوقراط لا يقدمون الحساب للشعب. 

أما في المغرب، فالحديث عن التكنوقراط ظل لصيقاً بالحياة السياسية في البلاد منذ الاستقلال، إذ شكل التردد في حسم المسألة الديموقراطية طيلة عقود والبناء الدستوري ما قبل 2011، معبراً لموقعة التكنوقراط في أشد مواقع المسؤولية الحكومية والإدارية، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل في كثير من المراحل التاريخية تم إلباسهم الجبة السياسية والحزبية، ما زاد من التباس الحياة الحزبية والسياسية، وبالنتيجة ضاعت المسؤولية والمحاسبة كمبدأ دستوري. 

تصاعد موجة استدعاء التكنوقراط في الخطاب العام، بغض النظر عن سياقاته الوطنية، هو تعبير شديد التركيز على أزمة ديموقراطية عميقة، كما أنه في نهاية التحليل ليس سوى تأجيل للنقاش الحقيقي الذي يجب أن يمس بنية السلطة وتشكلها، ولنا في تجارب دولية، متسع من الحقيقة للوقوف على خطورة مقايضة الديموقراطية بحكم التكنوقراط، نستحضر هنا التجربة الإيرانية وهي قصة تستحق أن تروى. 

تعتبر الثورة الإيرانية التي قادها رجال الحوزات الدينية بقم سنة 1979 بزعامة الخميني، آخر الثورات الشعبية الناجحة في التاريخ المعاصر، حيث نجحت الثورة في التغيير الكلي لنظام الحكم، وذلك بتحوله من النقيض إلى النقيض، كما أن تلك الثورة الاستثنائية استطاعت في بدايتها أن توحد جميع القوى السياسية من شيوعيين وقوميين ورجال دين، إضافة إلى تجار بازار طهران الذين كان لهم دور حاسم. ما جرى في إيران سنة 1979 لا يمكن فهم أسبابه العميقة من دون التوقف عند محطة مفصلية جرت قبل سنوات من ذلك التاريخ، وبالضبط واقعة إسقاط حكومة محمد مصدق سنة 1953 بتحالف بين الشاه وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، قامت تلك المؤامرة على خلفية قرار مصدق في فاتح ماي 1951 بتأميم صناعة النفط الإيراني وما شكله ذلك من ضربة موجعة للمصالح البريطانية على وجه الخصوص، إضافة إلى قرار التأميم، كانت حكومة مصدق قد اتخذت كثيراً من القرارات الاقتصادية التي كان لها أثر كبير على المجتمع الإيراني، منها إقرار تعويض عن البطالة، تعميم التغطية الصحية، مشاريع للإسكان في البوادي والقرى... إسقاط حكومة مصدق بالقوة أدخل إيران في نفق طويل، كانت نهايته عند نزول الخميني من طائرة الخطوط الفرنسية التي حملته من باريس إلى طهران، كصورة تختصر قدرة الغرب على النفاق ووفاءه فقط لمصالحه من دون أي اعتبارات أخرى.

الثورة الإيرانية، برغم كل هذه السنوات التي تفصلنا عنها، ما زالت تشكل درساً مهماً بالنسبة لبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة في ضوء ما تعرفه المنطقة من مخاض ثوري؛ ومن رغبة شعوب المنطقة وعدد من نخبها في التغيير الذي أصبح مسألة حتمية بلا شك، ولئن كانت الثورة الإيرانية تمثل قصة نجاح لرجال الدين والبنيات التقليدية في المجتمع الإيراني التي تجاهلها الشاه رضى بهلوي طويلاً من خلال نمط عيشه الغربي، فإنها بالقدر نفسه تمثل درساً بليغاً لعدد من أنظمة الحكم المختلفة حول أسباب الانهيار الذي شهده نظام الشاه الذي كان يعتبر من أقوى الأنظمة السياسية والعسكرية في المنطقة.

 لقد مثل إسقاط حكومة مصدق توقيفاً قسرياً لتحول إيران لنظام ديموقراطي حقيقي، وفي مقابل ذلك وبدعم غربي استثنائي، كرس الشاه بنية سلطوية عتيقة متأثرة بالتراث الفارسي القديم وأمجاده الإمبراطورية مع مظاهر تحديث خادعة كانت في الحقيقة تمثل وجهاً من وجوه الاغتراب التي كان يعيشها نظام الشاه والنخبة المتحلقة حوله وحول موائد الثروة وما تقتضيه من بنية تؤطر الفساد الذي استشرى في بنية الحكم، وليس غريباً أن الشاه بقي في النهاية وحيداً؛ بل غير قادر على استيعاب تسارع أحداث الثورة التي قادها "دراويش" الحوزات الدينية بتحالف مع الشيوعيين والقوميين. 

لفهم ذلك، يحسن بنا أن نعيد قراءة ما كتبه عالم الاجتماع الإيراني وخبير اليونيسكو الشهير إحسان نراغي في كتابه المهم "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة" الذي يعتبر في جزئه الأول توثيقاً للقاءات الكاتب مع شاه إيران في الشهور الأخيرة قبل سقوط نظامه، وهو يجيب بصراحة مدهشة عن سؤال الشاه: "ماذا يجري يا نراغي في إيران؟ وكيف أن أحداً من المسؤولين حولي لم ينبهنِ إلى هذا السيل المتدفق من الغضب والإحباط والرفض لي ولنظامي في الشارع؟ بلا شك أن هذه الأزمة ليست ابنة البارحة؟"، يقول نراغي في جوابه العميق، أن ذلك راجع للطبيعة الهرمية لنظام الحكم، فرئيس الوزراء لا يهتم إلا بما يأتيه من الأعلى، ولا أحد يشعر بأنه مسؤول على الصعيد السياسي، لأن كل القرارات المهمة تصدر عن الشاه، وبما أن الشاه انفرد بتحديد الأهداف، فإن النخبة اعتبرت أن دورها ينحصر في تزويده بالمعلومات التي تتفق مع خطه السياسي.
 
هذه النخبة استعملت ذكاءها وعلمها لتتبع الشاه، أو بعبارة أخرى يقول نراغي، لكي تمنع عن الشاه رؤية الحقيقة. وقد كان الشاه قد وضع التكنوقراط في كل مكان. وعن هذه الفئة يقول نراغي :"التكنوقراط آلة لا تجيب إلا عن الأسئلة التي تُطرح عليها، وهي لا تطرح الأسئلة من جهتها"، هكذا قاد التكنوقراط في إيران أكبر عملية إخفاء لمشاعر الغضب والاحتقان التي كان يعرفها المجتمع الإيراني، وعندما استوعب الشاه ذلك، وقد قدم فيه إحسان نراغي شهادة نزيهة من كونه لم يكن على ذلك القدر من السوء الذي تم تصويره عليه عكس المحيطين به، كان الوقت قد مضى إلى غير رجعة... 

درس إيران البليغ يقول، إن التكنوقراط آخر ما يمكن الرهان عليهم عندما تموت السياسة بإرادتها أو بفعل فاعل...

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم