إعلان

جدوى العقوبات على أمراء الطّوائف في لبنان

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
من ثورة 17 تشرين
من ثورة 17 تشرين
A+ A-
 في ظل الانهيار المتسارع، تتبادر إلى أذهان اللبنانيين احتمالات عدة للخروج من ورطتهم الحالية، من بينها الخيالي كصحوة ضمير زعماء الطوائف وإنهاء الصراع في ما بينهم على ما تبقى من موارد الدولة والودائع التي سطت عليها المصارف بالتكافل والتضامن مع الطغمة الحاكمة، وأخرى أكثر واقعية وتتمحور حول ثورة شعبية جديدة كتلك التي بدأت في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، لكن من دون تحييد "حزب الله" وفساده وسلاحه الذي يحمي النظام السياسي القاتل.
 
الشعب اللبناني الرافض للنظام والمستفيد منه في آن ينتظر تدخل العالم الغربي  والعربي لإنقاذه من ورطته، إن كان عبر إمداده بالأموال والقروض التي تسمح له بالعودة الى نظامه الاقتصادي أو عبر فرض تسوية إقليمية كالتي حصلت في اتفاق الطائف. لكن هذا الشعب نفسه لا حماسة له، إن لم نقل شجاعة، على دعم أي من العقوبات الاقتصادية التي فُرضت أو ستفرض على أمراء الطوائف الذين نهبوا البلد تحت ذريعة حماية طوائفهم من خطر وجودي مزعوم ويواصلون التمسك بالسلطة والمناصب ولو على جثث الشعب وخراب لبنان.
 
لفترة طويلة، كانت العقوبات الاقتصادية سمة من سمات السياسة الخارجية الأميركية وسلاحاً يُستخدم استخداماً متكرراً ضد خصوم أميركا في العالم، ومن بينهم إيران وأذرعها نتيجة لإرهابها ونشرها الفوضى منذ قيام الثورة الخمينية سنة 1979. وسلاح العقوبات هذا قد يكون من الأسلحة الأقل تقديراً من العامة على اعتبار أن العقوبات الاقتصادية لا تقدم ولا تؤخر بل يدفع ثمنها الشعب القابع تحت هيمنة الطاغية، في حين أن الأخير يستمر بسرقة البلد تحت ذريعة مقاومة العقوبات. 
 
العقوبات التي فرضت على "حزب الله" خلال السنوات الماضية ركزت حصرياً على العنصر الإرهابي للجناح اللبناني من الحرس الثوري الإيراني، وتجاهلت دور هذا التنظيم كمنظمة إجرامية نظامها التشغيلي هو الفساد كسائر الساسة في لبنان من دون استثناء. والعقوبات التي أدرجت تحت خانة الإرهاب عادةً ما شكّلت إحراجاً للشعب اللبناني، لا سيما من يدّعي السيادة. بعضهم تجنّب تبني تلك العقوبات خوفاً من وصمه بالعميل أو الصهيوني والبعض الآخر دفعته سذاجته إلى الاعتراض على تلك العقوبات، على اعتبار أنها تمسّ السيادة اللبنانية وتستهدف أحد المكوّنات الأساسية في لبنان.
 
في نهاية ولاية دونالد ترامب تغيّرت مقاربة الإدارة الأميركية بشأن العقوبات المفروضة على اللبنانيين، فوُضع عدد من أركان السلطة على لائحة العقوبات لدورهم في خلق بيئة فاسدة وتورطهم في نهب موارد الدولة. وهذه العقوبات دشنها صهر الرئيس ميشال عون، جبران "ماغنيتسكي" باسيل، كأول سياسي "بارز" في فساده يدخل نادي الفاسدين الموثقين وفق وزارة الخزينة الأميركية.
 
حديثاً، دخل الاتحاد الأوروبي على خط العقوبات اللبنانية وبدأ بعد عقود من التسامح، إن لم نقل التواطؤ مع الطغمة الحاكمة و"حزب الله"، بالتلويح بسلاح العقوبات ضد الفاسدين والمعرقلين للحل السياسي. كما وجه سهام عقوباته تجاه  إيران التي أثبتت عبر نشر الفوضى تحالفها مع أركان الفساد في البلدان التي تحتلها، ومن ضمنها لبنان.
 
حالياً، يبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اقتنع بأن الطبقة السياسية اللبنانية غير قابلة للإصلاح، وأن المبادرة الفرنسية القاضية بفصل جناح "حزب الله" السياسي عن ذلك العسكري لم تكن سوى ضرب من الهذيان، ما لبث أن استيقظ منه بعد تعرّضه للكذب والخداع من أمراء الطوائف اللبنانية، وهو يتجه حالياً إلى دعم فرض عقوبات أوروبية على المعرقلين بالتنسيق مع أميركا.
 
والعقوبات الأوروبية مختلفة عن نظيرتها الأميركية لأسباب عدة، لعل أبرزها عدم تخزين الطغمة اللبنانية الحاكمة أموالها في الولايات المتحدة، حيث تنتشر أصولها المالية في القارة الأوروبية، إما كسيولة في المصارف أو عقارات بأسماء وهمية معروفة في أفخم جادات باريس ولندن. وقد يكون منع هؤلاء المجرمين من السفر الى أوروبا للاستجمام الضربة المعنوية الأكبر لهم، ولا سيما أولئك الطامعين بكراسي الحكم، لتذكرهم بأنهم ليسوا إلا عصابة من المجرمين والفاسدين، والمليارات التي سرقوها لن تنجح في تغيير صورتهم أمام المجتمع الدولي.
 
بطبيعة الحال، إن العقوبات الأوروبية، إن أتت، لن تكون العصا السحرية، بل يتحتم أن تكون إحدى العصيّ التي يمتشقها الشعب اللبناني بوجه الفاسدين. وفي غياب السلطة القضائية المستقلة والشجاعة، يتحتم على اللبنانيين أيضاً المطالبة بكل أنواع العقوبات ضد الساسة والأمنيين الذين يعرقلون الانتخابات النيابية والتحقيقات في انفجار مرفأ بيروت. والعقوبات الغربية ليست بكافية بل على اللبنانيين مطالبة دول الخليج بطرد كل رجال الأعمال المتصلين بزعماء الطوائف الذين يدّعون حب لبنان، وهم في حقيقة الأمر يموّلون شبكات الفساد والسلاح غير الشرعي. 

العقوبات من أي طرف أتت يجب أن تحظى بدعم لبناني شعبي. فلا داعي لخجل الطامحين بالتغيير من دعم العقوبات الخارجية لسبب واحد وبسيط، ألا وهو أن تلك العقوبات هي بحد ذاتها مطلب شعبي لبناني قبل أن يتبناه ماكرون المتواطئ أصلاً مع الطغمة الحاكمة. وفي غياب السيادة واحتلال إيران للبنان، لا مفرّ من المطالبة بمثل تلك العقوبات التي تعرّي المقاومين المزعومين و"حماة الطوائف" لأيّ جهة انتموا.
 
اللبنانيون اليوم أمام خيارين، إما المطالبة بتوسيع لوائح العقوبات على أكبر طائفة سياسية في لبنان، أي طائفة الفاسدين، أو الانتظار في طابور الموت الذي قد يمتدّ كثيراً إن واصل اللبنانيون المراهنة على أمراء عشائرهم ويقظة قلوبهم السوداء الميتة أصلاً.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم