إعلان

انتخاب رئيسي هو تغيير في الشكل لا في مضمون الاستراتيجية والسياسة الخارجية لايران

المصدر: النهار العربي
رياض قهوجي  
خامنئي يستعرض وحدات من الحرس الثوري
خامنئي يستعرض وحدات من الحرس الثوري
A+ A-
تعدّدت التحليلات حول تداعيات انتخاب إبراهيم رئيسي رئيساً جديداً للجمهورية الإسلامية الإيرانية. هناك من اعتبر أن سياسات طهران ستصبح أكثر تشدداً تجاه الغرب، وبعضهم اعتبرها مؤشراً الى تصعيد أمني كبير قد تشهده المنطقة، وهناك من يعتقد أن ذلك سيسهل التوصل الى اتفاق نووي جديد مع أميركا.
 
من المبكر التنبؤ بمسار التطورات، نظراً الى ترابط العديد من الملفات بعضها ببعض. لكن الأمر الذي يجب عدم الاسترسال في التحليل فيه كثيراً هو السؤال: من صانع القرار الحقيقي في طهران؟ لا يختلف اثنان على أن المرشد الأعلى علي الخامنئي هو صاحب الكلمة الأخيرة في كل شؤون الدولة، داخلياً وخارجياً. كما أن لا خلاف بين معظم المحللين على أن الحرس الثوري الإيراني بات يسيطر سيطرة كبيرة على القرارات المصيرية المتعلقة بسياسة إيران الخارجية، وقد تجلى ذلك بالمواجهات الإعلامية والكلامية بين وزير الخارجية محمد جواد ظريف وقادة الحرس الثوري. وبناءً على ما تقدم، فإن تصرفات إيران وسياساتهاالخارجية تحت قيادة رئيسي لن تختلف كثيراً عما كانت عليه تحت قيادة الرئيس حسن روحاني الذي ستنتهي ولايته بعد بضعة أسابيع. 
 
بغضّ النظر عن صلاحياته الدستورية، فإن دور الرئيس في إيران هو الإشراف على الأوضاع الداخلية ولعب دور الواجهة للنظام خارجياً. وهنا تظهر أوجه الاختلاف بين من تعاقبوا على رئاسة إيران منذ الثورة الإسلامية. فهناك من حاول اعتماد مقاربات دبلوماسية سلسة للانفتاح أكثر على المجتمع الدولي وتعزيز مكانة إيران الاقتصادية مثل هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، وهناك من كانت شخصيته صعبة ومتشددة وبعيدة عن الدبلوماسية مثل محمود أحمدي نجاد. إلا أن سياسات إيران التوسعية وبرامجها الصاروخية والنووية كانت قائمة وتنفذ طوال فتراتهم جميعاً، كونها تقع تحت سيطرة الحرس الثوري والمرشد الأعلى مباشرةً. هذا لا يعني أنه لا تيارات سياسية في إيران، لكن تأثير هذه التيارات يبقى محدوداً وخاضعاً كثيراً لتوجهات المرشد الأعلى وقراراته وتصرفات الحرس الثوري الذي أثبتت التجارب أنها غالباً ما لا تكون منسقة مع الحكومة. فاستراتيجية إيران التوسعية والوصول الى شواطئ البحر الأبيض المتوسط والسيطرة على الممرات المائية لتفرض نفسها قوة عالمية موضوعة منذ عقود، ويجري تنفيذها عبر أسلوب سياسة النفس الطويل واستغلال الفرص التي تسنح أمام طهران من تراجع أو تقدم في سياسات القوى العظمى وانقسامات الدول العربية والإقليمية وصراعاتها.   
 
ما يميز رئيسي عن الرؤساء السابقين بحسب بعض الخبراء هو أنه ترقى من منصب الى آخر تحت التوجيه والإشراف المباشرين لخامنئي، وبالتالي لا يتوقع هؤلاء الخبراء أن يعارض رئيسي خامنئي أو الحرس الثوري بأي من السياسات. فرؤساء سابقون، ومن بينهم خاتمي ورفسنجاني وأحمدي نجاد، اصطدموا في بعض المراحل مع خامنئي حول الصلاحيات والسياسات. لا يتوقع حدوث ذلك مع رئيسي، وبالتالي فإن سياسات رئيسي وخطاباته ستكون أكثر تناغماً مع توجهات خامنئي وتصرفات الحرس الثوري وميليشياته في المنطقة. ويعتقد البعض أن ذلك قد يكون تمهيداً لجعل رئيسي المرشح الأبرز لخلافة خامنئي في منصب المرشد الأعلى، أو لإعطائه دوراً أساسياً في تسهيل وصول نجل خامنئي، مجتبى، الى هذا المنصب. إن صحة خامنئي في تراجع مع تقدمه في السن، وقد يكون يهيئ الأرضية لمن يخلفه ويحافظ على إرثه السياسي. 
 
إذاً، ما سيتغير مع رئيسي هو عودة اللهجة التصادمية والاستفزازية الحادة الى خطابات الرئاسة الإيرانية، ما سيسهل عمل التيارات المتشددة في أميركا وإسرائيل وبعض دول المنطقة المعارضة لاتفاق نووي مع إيران لا يشمل برنامجها الصاروخي وسياساتها التوسعية في الشرق الأوسط. فالخطابات المتشددة ستستدعي خطابات مضادة أكثر تشدداً، بخاصة إذا ما ترافقت هذه الخطابات مع استمرار التصعيد في الهجمات على القوات الأميركية في العراق وسوريا من ميليشيات الحشد الشعبي أو تحرش زوارق الحرس الثوري بسفن البحرية الأميركية في الخليج العربي. فستطابق حينها الأفعال مع الأقوال الإيرانية ويكون التنسيق أقوى بين الرئاسة وقيادة الحرس الثوري مما هي عليه الحال الآن. لذلك، قد تسعى القيادة الإيرانية الى تسريع الوصول الى اتفاق نووي في فيينا قبل انتقال السلطة في طهران، لكن هذا رهن الحسابات الأميركية في ضوء كل ما يحدث إقليمياً ودولياً والانقسام الداخلي الحاد بين الجمهوريين والديموقراطيين. 
 
أما إقليمياً، فيجب عدم توقع أي تغييرات دراماتيكية في السياسة الإيرانية، فستستمر طهران في محاولة تثبيت وجودها العسكري في سوريا والعراق، والسيطرة على القرار السياسي في لبنان، واستغلالها للحوثيين في اليمن لاستنزاف المملكة العربية السعودية، في محاولة لإجبارها على القبول بالأمر الواقع الذي أحدثته في مناطق نفوذها في المنطقة. ومن غير المعروف إذا ما كانت المحادثات السرية التي جرت بين وفود أمنية سعودية وإيرانية في بغداد ستتكرر بعد انتخاب رئيسي أو تأتي بأي فائدة، كون إيران هي من يجب أن تقدم على خطوات تعيد بناء الثقة مع الرياض تمهيداً لعودة العلاقات الدبلوماسية معها، والتي انقطعت أصلاً بعدما أقدمت ميليشيات الباسيج الإيرانية، والتي تأتمر بأوامر الحرس الثوري، على إحراق مبنى السفارة السعودية في طهران عام 2016. 
 
ويخشى أن يؤدي توقيع أي اتفاق نووي جديد مع إيران الى ازدياد في مستوى التصعيد من جانب طهران، كما جرى بعد توقيع الاتفاق الأول عام 2015، إذ شعرت إيران حينها بفائض للقوة واستفادت من تغاض أميركي عن تصرفاتها لتصعد من وتيرة عملياتها في سوريا والعراق واليمن، وتكمل سيطرتها على لبنان. ولذلك، يتوقع أن تقدم واشنطن على بضع خطوات استباقية للحد من قدرة طهران على استثمار أي اتفاق معها لتعزيز مكانتها في المنطقة، وقد يكون قرار الإدارة الأميركية الأخير حجب المواقع الإعلامية الإيرانية إحدى هذه الخطوات. وبالختام، تبقى إيران مسؤولة عن العديد من أزمات المنطقة، وقرار تخفيف التوتر ليس بيد رئيسي بل بيد من اختاره لمنصب الرئاسة، خامنئي.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم