إعلان

هل هو ملتقى لصنع لوبي دولي للجزائر أم مجرّد لقاء عابر؟

المصدر: النهار العربي
أزراج عمر  
أزراج عمر  
تكريم مجتهدين في الملتقى
تكريم مجتهدين في الملتقى
A+ A-
تحت إشراف وزارة المجاهدين الجزائريين وذوي الحقوق، وبالتنسيق مع وزارة الشؤون الخارجية والجالية الجزائرية في الخارج، شهدت العاصمة الجزائرية يومي 17/18 من الشهر الجاري الافتتاح الرسمي لندوة دولية تحت شعار "الثورة الجزائرية: موطن إشعاع القيم الإنسانية وجسر الصداقة بين  الأمم"، وذلك بمشاركة أكثر من 70 شخصية عربية وأجنبية مصنفة في مدوّنة التاريخ الجزائري المعاصر ضمن قائمة أصدقاء الثورة التحريرية الجزائرية.
 
وفي يوم الافتتاح الرسمي لهذه الندوة، ألقى الوزير الأول الجزائري أيمن بن عبد الرحمن كلمة أمام المشاركين وممثلي الصحافة الوطنية والضيوف المدعويين كلمة جاء فيها أن "الجزائر، بأجيالها المتعاقبة، ستظل وفية لكل من ناصرها  ووقف إلى جانبها في محنتها خلال معركة الشرف، وستورث قيم الإخلاص والوفاء لبناتها وأبنائها البررة"، كما أكد أن الجزائر ستبقى "جسر التواصل بين الأمم والضامن الأكيد لزرع المحبة والتعاون والرقي والسلام العالمي". 
 
أما وزير المجاهدين الجزائريين وذوي الحقوق فقد عبّر في الكلمة التي خص بها هذا الملتقى "عن اعتزاز الجزائر بإسهام هؤلاء الرجال والنساء في مسيرة كفاح التحرير الوطني والدفاع عن قضيتنا العادلة ... أصدقاء الثورة الذين نرفع لهم تحية التقدير والتبجيل".
 
 لقد انعقدت هذه الندوة لمناسبة الاحتفالات الوطنية بمرور الذكرى الـ60 لثورة تشرين الثاني (نوفمبر) 1954 التي توّجت باستقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي الذي دام قرناً وثلاثين سنة (1830- 1962).
 
وعلى مدى يومين كاملين، ألقيت في هذه الندوة مداخلات ومحاضرات، ركز فيها المتدخلون والمحاضرون على دور أصدقاء حركة التحرر الوطني في احتضان الكفاح التحرري الوطني ضد الاحتلال الفرنسي. 
 
وهنا نتساءل: هل يمكن اعتبار هذه الندوة مدخلاً أولياً لتشكيل لوبي دولي للجزائر، متكوّن من أصدقاء حركة التحرر الوطني الجزائري القدامى وأبنائهم وأقربائهم، أم أنها مجرد رد جميل لهؤلاء وتكريمهم، وبالتالي مواصلة تعميق الصداقة معهم راهناً وفي المستقبل؟ أم أن عقد هذه الندوة الآن بالضبط يمثل رسالة موجهة إلى الحكومة الفرنسية الجديدة التي شكلها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت في الأسابيع الماضية؟ ثم، هل يمكن أن تمثل 70 شخصية كل الشرائح والشخصيات الدولية التي ساهمت بفكرها أو بمواقفها السياسية والدبلوماسية، أو بمالها أو بنضالها العسكري في تقوية ساعد الثورة التحريرية الجزائرية المسلحة؟ 
 
وفي الحقيقة، فإن الجزائر تأخرت كثيراً عن تطوير العلاقات مع أصدقاء الجزائر على أيام النضال التحرري طوال مرحلة الاستقلال، كما أنها لم تعر اهتماماً للذين وقفوا معها في فترة العنف الدموي الذي كاد يدمّر أركان الدولة الجزائرية بالكامل.
 
ففي عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد مثلاً، قام النظام الجزائري في ثمانينات القرن الماضي بتنفيذ جزء بسيط من مشروع كتابة تاريخ "ثورة أول نوفمبر 1954"، ولكن ذلك المشروع لم ينجح جراء اقتصار الندوات والملتقيات التي نظمتها السلطات  في قصر الأمم أو في أماكن أخرى في الفضاء الجزائري على إبراز دور رواد حركة التحرر الوطني أثناء ثورة نوفمبر، مع التركيز على القيادات المسلحة في النواحي العسكرية عبر القطر الجزائري، وعلى السير الكفاحية لأعضاء مجموعة 22 التي اجتمعت في قرية "إيفري" في منطقة وادي الصومام، وأعلنت حينذاك بداية الثورة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي. 
 
ففي تلك الندوات والملتقيات، كثرت المناقشات بين المشاركين حول بعض الصراعات والخلافات التي نشبت بين مناضلي جبهة التحرير الوطني، وتيارات سياسية أخرى مثل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والحزب الشيوعي الجزائري، وتم استبعاد البعد الدولي لحركة التحرر الوطني الجزائري، وتسليط الأضواء على المشاركين الأجانب الذين ساهموا في إعطاء النضال الجزائري طابعاً دولياً، سواء كان هؤلاء فرنسيين أم أوروبيين /غربيين، أم كانوا من العالم العربي، بما في ذلك المنطقة المغاربية أو من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وجزر الكاريبي. 
 
حتى الآن لا يزال هذا البعد الدولي لحركة التحرر الوطني منسياً، رغم بعض التكريمات التي خصّت بها الجزائر عدداً قليلاً من أصدقاء حركة التحرر الوطني الجزائري، ثم سرعان ما نسيتهم بعد وفاتهم، وثم أدارت الظهر لأبنائهم الأحياء ولفروع أسرهم. 
 
بسبب هذا النسيان والإهمال، خسرت الجزائر عدداً هائلاً من المؤرخين والسياسيين والدبلوماسيين والمثقفين الفرنسيين الكبار الذين كانوا سنداً قوياً لها في الأوقات الصعبة، وأشير هنا، على سبيل وباختصار، إلى مجموعة 121 مفكراً وفيلسوفاً وأديباً فرنسياً الذين قاوموا الكولونيالية الفرنسية في عز الاحتلال الفرنسي للجزائر، وتعرّض بعضهم للملاحقات البوليسية الفرنسية مثل جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، وللسجن كما في نموذج لورانس باطاي ابنة الفيلسوف الفرنسي الشهير جورج باطاي.
 
في هذا السياق، ينبغي أيضاً ذكر مجموعة من فلاسفة ومفكرين فرنسيين كبار آخرين نسيتهم الجزائر، علماً أنهم عملوا ضمن إطار نضالي حقيقي، وتكتل فكري وسياسي يحمل اسم "اشتراكية أم وحشية؟"، وعارضوا بموافقهم الفكرية ونشاطهم السياسي ممارسات الاستعمار الفرنسي التعسفية في الجزائر منهم، مثلاً، كورنياليس كاستورياديس وجان فرانسوا ليوطار ودانيال أوفري  ودانيال بلانشار وغي ديبور وبيير كونجير وجان لابلانش وكلود ليفورت وإدغار موران وغيرهم كثر.
 
إن معظم المفكرين والأدباء والإعلاميين والسياسيين والدبلوماسيين البارزين في مختلف بلدان المعمورة، والذين كان يمكن تشكيل قوة ناعمة جزائرية منهم، طواهم التجاهل الجزائري طوال فترة الاستقلال، ومع الأسف فقد أدركت الوفاة الآن أغلبهم  وأدرك العجز الكلي من بقي حياً منهم، الأمر يصعّب التواصل معهم والاستفادة من ذاكرة علاقتهم التاريخية بالنضال التحرري الجزائري. أما أبناؤهم فقد انقطعت الصلات بهم أيضاً، ولم يعد هناك رابط يربطهم بالجزائر المستقلة من قريب أو من بعيد.
 
وفي الواقع، فإن الجزائر المستقلة ليست لها حتى الآن أي صيغة واضحة المعالم، يمكن أن تحرّك الدولة الجزائرية تجاه أفق صنع اللوبيات والأصدقاء والحلفاء الدائمين داخل فضاءات المجتمعات المدنية الثقافية والاقتصادية والفنية والاجتماعية في مختلف بلدان العالم، والدليل إلى ذلك أن السلطات الجزائرية لم تؤسس  فضاءات الاستقطاب، مثل المراكز الثقافية والفنية والاجتماعية  وغيرها من المؤسسات التي تبني العلاقات القوية في أي من دول أميركا اللاتينية الكبرى، أو في الدول المدعوّة بالصديقة شكلياً أو تجارياً، مثل روسيا والهند والصين وتركيا والدول العربية التي تربطها بها أواصر الحضارة والتاريخ، مثل لبنان ومصر والعراق والسعودية وهلم جراً.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم