إعلان

جماعات الإسلام السياسي والمتاجرة بـ"تحرير القدس"

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
جنود إسرائيليون يهاجموان مراسل وكالة الصحافة الفرنسية في القدس.
جنود إسرائيليون يهاجموان مراسل وكالة الصحافة الفرنسية في القدس.
A+ A-
منذ بلورة جماعة الإسلام السياسي وتكوينها تحت مظلة عودة إقامة الخلافة المزعومة، تمثل القضية الفلسطينية محور إرتكاز فاعلا في محاولة السيطرة على الجماهير العربية والإسلامية والتأثير في المساحة الكبرى للمتعاطفين مع القضية إنسانياً ودينياً.
 
كانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في أدبيات تيارات الإسلام الحركي ومن ورائهم جماعة "الإخوان المسلمين" التي تاجرت وحققت بها مكاسب خيالية على مدار تاريخها، منذ المؤسس الأول حسن البنا، وحتى وصولها الى الحكم في مصر والمنطقة العربية.
 
سعت جماعة الإخوان عن طريق شعارات "تحرير المسجد الأقصى"، إلى إحراج الجيوش والأنظمة العربية الحاكمة شعبياً وسياسياً، ترويجاً وتصديراً لفكرة "الفئة الممتنعة" المتخاذلة عن حماية المقدسات الإسلامية، والدعوة إلى ضرورة تكوين "جيش مسلح"، يتولى مهمة الدفاع عن الهوية الإسلامية، مدعية أن مشروعها بمثابة صمام الأمان الأول في نصرة الشعب الفلسطيني.
 
صرخات القواعد التنظيمية لجماعة الإخوان وأتباعهم عادة ما كانت ترج أركان الجامعات والميادين المصرية، مستخدمين كليشيه على القدس رايحين شهداء بالملايين"، ومنددين بمواقف الأنظمة السياسية التي تقف حائلاً  أمام رغبتهم الحثيثة في فتح "باب الجهاد"، لكن في ظل وصولهم الى السلطة في عدد من دول المنطقة العربية لم يتفوهوا بكلمة إساءة واحدة تجاه الكيان الصهيوني المحتل، لا على المستوى الشعبي ولا السياسي،  بل كانت الديباجات الرسمية للغة الخطابات المتبادلة بينهما "عزيزي وصديقي شمون بريز"، فضلاً عن الدعوات التي وجهت لعودة اليهود إلى القاهرة على لسان القيادي الإخواني عصام العريان، وأحقيتهم في الحصول على ممتلكاتهم المصادرة. 
 
طوع الإخوان محاولات "تهويد القدس" وصنعوا منها جسراً صلباً يعبرون منه الى مساحة تفاهم تجمعهم بمخلتف القوى السياسية اليسارية والقومية والليبرالية، بما يضمن لها التواجد والظهور في المنتديات الرسمية والشعبية على المستوى الإنساني والديني والسياسي، وتغليب مقاصدهم الخاصة تحت غطاء التنديد بالإحتلال الصهيوني للجغرافية الفلسطينية.
 
المكانة التاريخية والدينية لبيت المقدس، كانت عاملاً مهماً لجماعة الإخوان في تصدير رموزها كحراس للعقيدة والشريعة، ووضع بصمتها الفكرية في تحريك الشارع واستمالة الجماهير الغفيرة، واستقطاب قطاعات مجتمعية متنوعة سلوكياً ونفسياً تجاه كيانها التنظيمي استكمالاً للمشروع الجهادي، وفقاً للأدبيات القطبية البناوية.
 
بلا شك تلاعب الإخوان بالقضية الفلسطينية وأدبياتها في ترسيخ مفاهيم "الأممية الإسلامية" لمواجهة القومية العربية، كونهم لا يعترفون ولا يؤمنون بمفهوم الدولة الوطنية ومفرداتها، فحملت خطاباتهم ورسائلهم المباشرة  في التعبئة للداوئر الشعبية، حتمية "الجهاد المقدس" أملاً في عودة "المسجد الأقصى"، إلى حضن العرب والمسلمين.
 
استثمر الإخوان القضية الفلسطيينة غطاء لتمرير تشكيل الجناح المسلح، في أربعينات القرن الماضي، تنفيذاً لتأسيس باكورة "الجيش الإسلامي"، بخلايا مدربة ومجهزة، واستكمالاً  لمشروعها التوسعي تأسست حركة "حماس"، على يد الشيخ أحمد ياسين، وصلاح شحادة، وعبد العزيز الرنتيسي عام 1987، كامتداد للجناح المسلح المعبر عن أبجديات  الإخوان وتوجهاتهم في الداخل الفلسطيني.
 
تمثل حركة "حماس" لبنة في بنيان مصنوع على أعين جماعة الإخوان، لتحقيق مشروع الهيمنة الكبرى أو "استاذية العالم"، وتهيئة لأركان دولة الخلافة المزعومة، لاسيما أن التصريحات التي أطلقها محمود الزهار، القيادي في حركة "حماس" في حزيران (يونيو) 2019، بلورت الهدف الأهم من تشكيل الحركة ودورها قائلاً: " فلسطين بالنسبة لنا مثل الذي يحضر السواك وينظف أسنانه فقط، لأن مشروعنا أكبر من فلسطين"، ما يعني أن القضية الفلسطينية مجرد أداة في إطار تحقيق الأجندة الإخوانية.
 
تعبير "المهاجمة في العلن والتطبيع في الخفاء"، يمثل وصفاً دقيقاً لدور الإخوان في التعامل مع الكيان الصهيوني، وعقدهم اللقاءات السرية مع السفير الاسرائيلي في القاهرة مرات عدة إبان نظام الرئيس مبارك، إذ طالب وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق، شلومو بن عامي، في نيسان( إبريل) 2017، الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم وضع جماعة الإخوان على قوائم الإرهاب، موضحاً في مقال نشره في مجلة "بروجيكت ساينديكيت"، أن وصول تيارات الإسلام السياسي الى السلطة في المنطقة العربية مفيد للكيان الصهيوني ومهم لاستقرار إسرائيل.
 
ووفقا للوثائق التي نشرتها مجلة "روز اليوسف" المصرية، في نهاية 2011، فإن المخابرات الإسرائيلية وجهت الدعوة لعدد من قيادات الإخوان الى المشاركة في "المؤتمر اليهودي المسلم"، الذي عقد في ايار (مايو) 2011 في العاصمة الأوكرانيا "كييف"، وأن الدعوات حملت اسم الحاخام مارك شناير رئيس الكونغرس اليهودي العالمي، ومؤسس ورئيس "مؤسسة نبذ العنصرية"، الذي دعا الى التآخي بين اليهود والمسلمين ونبذ العنف والعنصرية بين الطرفين.
 
وأشارت الوثائق إلى أن المؤتمر كان واجهة مناسبة لعقد لقاءات جانبية بين الطرفين الإسرائيلي والإخواني، فضلاً عن اجتماعات أخرى مماثلة عقدت في بريطانيا وبلجيكا وفرنسا وهولندا وإيطاليا وسويسرا وألمانيا وأوستراليا بين عامي 2010 و2011 ، ودارت كلها حول التطور الفكري لدى الإخوان،ونظرتهم تجاه إسرائيل، والسياسة في مصر والشرق الأوسط.
 
في نهاية المطاف كانت تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس عام 2013 ، من أن الرئيس المصري الإخواني السابق محمد مرسي،  كان ينوي "توطين الفلسطينيين في سيناء"، كاشفة عملية المتاجرة الإخوانية بهموم الشعب الفلسطيني، بمحاولة تمرير سيناريو الجنرال جيورا إيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، المطروح عام 2009، بضم 720 كيلومترا  من سيناء الى قطاع غزة، لبناء دولة فلسطينية متكاملة، مقابل منح القاهرة 720 كيلومترا  في عمق صحراء النقب.
 
تمثلت النقطة الأكثر أهمية في أجندة الإخوان تجاه القضية الفلسطينية، في جمع الأموال بغية تحقيق أهدافها الخاصة والسرية، من خلال السيطرة على الكعكة الأكبر من حصيلة الزكاة والتبرعات والصدقات داخل المجمتعات العربية والأوروبية. فتوسعت في تأسيس المنظمات المدنية والإغاثية التي ضمت أوروقها الدفاع عن القضية الفلسطينية، وروجت لحملات جمع الأموال، الى جانب فتح خطوط الإتصال مع دوائر صنع القرار السياسي تحت مزاعم التنديد بالإحتلال الصهيوني، لكنها في الحقيقية كانت بمثابة ضوء أخضر للتحرك من دون مضيقات أو ملاحقات أمنية أو مالية، إذ اعتمدت على "منظمة الإغاثة الإسلامية"، التي تأسست عام 1984، ولعبت دوراً فاعلاً في تضخيم الإمبراطورية المالية للتنظيم الدولي وفروعه المنتشرة في أكثر من 90 دولة.
 
الخلاف الأول بين حسن البنا، وأحمد السكري وكيل الجماعة، الذي وثقته مقالات صحيفة "الأهرام"، وصحيفة "صوت الأمة"، في أربعينات القرن الماضي، تحت عنوان "المرشد الكذّاب"، فضح الكثير من المخالفات التي وقعت بين جدران المكون الإخواني السري، حول مصير الأموال التي تم جمعها تحت مظلة القضية الفلسطينية.
 
لم تغب تلك الوقائع عن مذكرات القادة المؤسسين للنظام الخاص المسلح، وعلى رأسهم علي عشماوي، الذي أشار في كتابه "التاريخ السري للإخوان المسلمين"، الصادر  عام 2006 إلى: "أن الإخوان كلما تسنح لهم فرصة المتاجرة بقضية الأقصى، يطالبون بفتح باب التطوع لإنقاذ الأقصى، ومعناه فتح باب التبرع لجمع المال من جديد، ثم شراء السلاح وتخزينه لحسابهم، وتتكدس خزانتهم بالأموال من تبرعات المسلمين من كل الدول الإسلامية، ليتكرر ما حدث في 1948". 
 
عشماوي أوضح أن كل الأعمال التى يفخر بها الإخوان في 48 لم تكن حقيقية، فهم لم يدخلوا إلا معارك قليلة جداً، ثم صدرت أوامر من الشيخ محمد فرغلي بعدم الدخول في المعارك، بحجة أن هناك مؤامرة لتصفية المجاهدين، وأن تبرعات فلسطين طوال فترة حسن البنَا لم يعرف أي شخص مصيرها.
 
اختلاسات التبرعات ووضعها في خدمة المشروع الإخواني، وثقها كتاب "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ"، الصادر عن "دار الدعوة" عام 1994، لمؤلفه محمود عبدالحليم، عضو الهيئة التأسيسية للجماعة، قائلاً :"الإخوان يحصلون على الأموال من المسلمين كافة وليس الإخوان فقط، وهو ما يعود على الجماعة بالفائدة، بخاصة أن التبرعات لا تتم بإشراف الدولة، وهو ما يصب في مصلحة الجماعة، لعدم ضمان الجهة التي تصل لها التبرعات، والتي ثبت بعد ذلك أن التبرعات لم تكن تذهب لفلسطين، ولكنها كانت تستخدم لخدمة الجماعة".
 
ويستكمل محمود عبدالحليم في سطور كتابه: "أحب أن أنبه القارئ الى أن النقود التي كنا نجمعها لفلسطين من المساجد والمقاهي والبارات لم يكن القصد من جمعها إعانة إخواننا المجاهدين الفلسطينيين، فهم كانوا في غير حاجة إليها؛ لأن الأغنياء من أهل فلسطين كانوا وراء هؤلاء المجاهدين، وإنما كان جمعنا للتبرعات أسلوباً من أساليب التأثير في نفوس الناس بهذه القضية، والذي يتيح الحصول على تبرعات من جميع المسلمين وليس الإخوان فقط، وأضيف الآن إلى ذلك أن هذه المبالغ لم تكن ترسل إلى المجاهدين".
 
على درب الإخوان سارت مختلف الجماعات الأصولية، لاسيما تيارات السلفية الحركية الجهادية التي اتخذت من القضية الفلسطينية، محوراً في الإنتشار داخل الداوئر الشعبية، والتأثير في توجهاتها الفكرية بأيديولوجية متطرفة، ومسوغاً في عمليات الإستقطاب والتجنيد للشباب العربي، تحت عشرات المسميات الوهمية، والدفع بهم في معسكرات القتال، مكتفية باستراتيجية "العدو القريب"، التي تبناها تنظيم "داعش"، لمواجهة الأنظمة السياسية المحلية، أو باستراتيجية "العدو البعيد"، التي وضعها تنظيم "القاعدة" لاستهداف المصالح الأمريكية والغربية.
 
غالبية تيارات السلفية الجهادية، استثمرت بانتهازية شديدة قضية تحرير القدس، بما يحقق لها الغلبة والإنتشار، وطرح نفسها قوة دولية صلبة من خلال بروباغندا إعلامية مصنوعة تخدع بها الدوائر المجتمعية المتعاطفة مع توجهات الإسلام السياسي الحركي، فرغم توطين "السلفية الجهادية" في قطاع غزة فإنها لم تصوب مدافعها تجاه الكيان الصهيوني، وشاركت في استهداف مرتكزات الجيش المصري والأجهزة الأمنية منذ تسعينات القرن الماضي، سواء من خلال جماعة "التوحيد والجهاد"، أم جماعة "أنصار بيت المقدس"، التي تحولت "ولاية سيناء" وقصرت معاركتها في العمق السيناوي، ومن ثم ظلت إسرائيل الكيان الوحيد الآمن في الشرق الأوسط

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم