إعلان

انتحار العونية في لبنان... التسلّط والإقصاء والكسر الطائفي!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
أعلام عونية ولـ"حزب الله" وصورة لعون
أعلام عونية ولـ"حزب الله" وصورة لعون
A+ A-
بلغت الأزمة ذروتها في لبنان. خلافات مستحكمة في العلاقة بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والمكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري حول الحكومة والصلاحيات والتعطيل. لكن الأزمة باتت أكثر حدة لدى العهد بالدرجة الأولى، وأيضاً لدى المكونات السياسية والطائفية الأخرى. الدليل على ذلك، أن عون بتاريخه السياسي والطائفي لا يسير باتجاه تأسيس أجواء توافقية أو تسووية، ولم يتأسس نهجه على صناعة الشراكة، وهو ما يحدث اليوم، وإن كان الجميع يتحمل مسؤولية ما آل إليه الوضع اللبناني من فوضى وانهيار. يدل ذلك على أن التمركز في السلطة أو في موقع الرئاسة الأولى لا يمكن أن يستند في البنية اللبنانية وفي تركيبتها إلى قوة حزبية لأنها تذهب إلى التسلط والإقصاء، وتؤدي إلى الاصطفاف في المواقع الأخرى، وهذا ما يحدث حالياً في الحزبية العونية التي تعبّر عن مواقف الرئيس وتندمج معه في المعارك التي يخوضها ضد الخصوم. وهي لا تحظى بثقة وطنية عامة.
 
بدت السياسات المعتمدة من الأطراف والقوى السياسية تواكب الانهيار، لا بل أنها تدفع البلاد إلى مزيد من الغليان، وهي سياسات تقوم على مصالح وتنطق بمشاريع ترتبط بالصراع على النظام، إلى حد أوصلت الأمور في البلد إلى الإنسداد الكامل عبر مغامرات انتحارية تزيد من عمق المأزق وتأخذه إلى الهاوية.
 
النسخة الجديدة من التعطيل، وهي ليست الأخيرة في سيناريو تدمير البلد، هو الخلاف المستمر والمستحكم حول تشكيل الحكومة. كل الوقائع تشير الى أنه لم يعد ممكناً التوافق بين ميشال عون وسعد الحريري. فرئيس الجمهورية اللبنانية لم يعد يتحدث عن الحكومة وتشكيلها مباشرة، وكأنها أصبحت ملفاً من الماضي. وضع ملف التشكيل جانباً وأهمل أي نقاش في هذا الموضوع الرئيسي لاستعادة الحد الادنى من معالم الدولة والمؤسسات والسير في الانقاذ والإصلاحات، لا بل إنه حسم برفضه لسعد الحريري رئيساً مكلفاً، إلى حد أنه بحث عن ثغرات للتسلل منها وإخراج الحريري من هذا الموقع. وبعد عجزه عن إيجاد بدائل بصيغة دستورية، بدأ هجوماً مضاداً على خصومه ظاناً أنه يستعيد من خلاله المبادرة من خلال اللعب على موضوع الصلاحيات الدستورية، فإذا كان ما سُحب منها غير ممكن استعادته، لا بأس عندئذ بتجاوزه من خلال الأمر الواقع والتمسك بأعراف وتقاليد تكرست خلال السنوات السابقة وتسلّح بها لفتح ملفات في معركته المفتوحة لاستعادة الرصيد الذي فقده بعد وصوله إلى الرئاسة.
 
لا يخفي ميشال عون طموحه لإنهاء اتفاق الطائف، والانقلاب عليه والسعي لفرض صيغة نظام رئاسي بقوة الأمر الواقع، مستنداً إلى صلاحيات القوة. ولا يزال عون يُصر على أن يكون لرئيس التيار الوطني الحر وصهره جبران باسيل كلمة الفصل في موضوع الحكومة وفي الشؤون العامة وضمان وصوله إلى الرئاسة، على الرغم من العقوبات الأميركية بحقه، وكذلك بالرغم من تراجع موقعه بين المسيحيين خلال السنوات الأخيرة.
 
ما يمكن استنتاجه أيضاً في دائرة التعطيل، أن عون مارس السياسة من موقعه الرئاسي بصيغة فئوية، اي أنه تصرف كطرف خلال السنوات الماضية من العهد، وليس كحكم يدير التناقضات ويطلق المبادرات للتسوية، فكان العهد صدامياً من هذه الخلفية كطرف وليس من موقع الوطنية العامة. هذا يدل على أن شيئاً كثيراً تغير في التركيبة اللبنانية، خصوصاً منذ عام 2005 في سياق الصراع الطائفي الداخلي وامتداداته الإقليمية، حتى عند انتخابات الرئاسة عام 2016 كان الاسم الوحيد المطروح للرئاسة هو ميشال عون بعد تعطيل البلد لسنتين وإحداث فراغ في المؤسسات وفي الحكومة. وإذا كان عون لا يستطيع أن يحقق السيطرة المطلقة في الحكم ولا يمكنه أيضاً السير الى ما لا نهاية بالكسر الطائفي تحت عنوان استعادة الصلاحيات متسلحاً بدعم وتناغم مع الطرف الأقوى اليوم "حزب الله" الذي يفكر هو الآخر بطريقة مختلفة، أي اختراق البيئات الطائفية من دون الصدام معها مباشرة، فإن عون لا يمكن له أن يكون الرئيس القوي في البنية اللبنانية استناداً الى هذه السياسة، والدليل أن استعادة شعاريته النضالية منذ 1989 تؤسس لصدام مع المكونات الأخرى، فيما تجربته كانت كلها إخفاقات وانتكاسات، تماماً كما يحدث اليوم في موقعه الرئاسي الذي لم يحقق أي انجازات وطنية.
 
القوى السياسية الأخرى لها مشاريعها ومصالحها ايضاً، حتى من موقع المعارضة، فـ"القوات اللبنانية" التي خرجت من منظومة الحكم تراهن على سقوط العهد، مستغلة مأزقه لترتيب وضعها والإمساك بالمناطق المسيحية، من دون أن تتقدم بأي خطوة نحو المواجهة وتأدية دور انقاذي للبلد، فيما سعى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى تقديم التسوية كخيار وحيد في الظرف الحالي للإنقاذ، وهو الذي يفصح يومياً عن مخاوفه من الخطر الذي يتهدد الكيان، في ظل أزمات المنطقة وانعكاساتها على لبنان.
 
وإذا كان رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري يريد اليوم استعادة موقعه ممثلاً للطائفة السنّية، ومن ضمنها الحفاظ على صلاحيات الرئاسة الثالثة، إلا أنه يتحمل مسؤولية كبيرة بوصول البلد إلى هذه المرحلة منذ أن انخرط في صفقة التسوية الرئاسية منذ عام 2016 والرضوخ لشروط عون و"حزب الله" التي عطّلت البلد لسنوات قبل الانتخابات الرئاسية ثم التسوية بعدها التي أدت إلى اختلال موازين القوى وما نشهده من انهيارات للدولة.
 
وعلى خط القوى المتحكمة في البلد، يظهر دور "حزب الله" وامتداداً "الثنائي الشيعي"، مهيمناً، انطلاقاً من فائض القوة وتحكمه بالقرار، فالهيمنة تكرست منذ عام 2008، تاريخ السابع من أيار (مايو) واتفاق الدوحة الذي ثبّت وقائع جديدة في الحكم وتشكيل الحكومة وانتخاب الرؤساء. والمعارك التي يخوضها عون، تحظى بتفهم من "حزب الله" ورعاية وتغطية في أحيان كثيرة. ويتفرع منها ملف الحكومة الذي وضع جانباً، فـ"الحزب" يدعم رئيس الجمهورية و"التيار الوطني الحر" ولا يكسر موقفهما، وإن كان لا يعترض على سعد الحريري كرئيس مكلف للحكومة. ومن خلال صمته يعيد "حزب الله" ترتيب أوضاعه الداخلية ومحاولة تحصين بيئته لا بل اختراق البيئات الأخرى، وهو مرتاح على وضعه. لكن ميشال عون و"الحزب" يعرفان أن اي حكومة ستتشكل وإن كانت مؤجلة، لن تنال المساعدات من دون حسم جملة أمور، لا تتعلق فقط بالإصلاح إنما حسم ملف الحدود البحرية وتعزيز دور اليونيفل والاستقرار في الجنوب، وضبط الحدود اللبنانية - السورية. اللافت أيضاً أن العهد وتياره، لم يعد باستطاعتهما تأمين غطاء كافٍ لدور الحزب وسلاحه وسياساته المحلية والإقليمية، وهو ما كشف وضعه في الداخل وأمام الخارج بسبب الحصار القائم، في لحظة اشتداد الصراع في المنطقة، ما يضعه ومعه البلد أمام مأزق الخيارات الصعبة، الخطيرة والمصيرية في آن. وما نشهده اليوم هو مزيد من الخسائر تنال من لبنان واستقراره.
 
Twitter: @ihaidar62
 
الكلمات الدالة