إعلان

مقوّمات بدء عصر صعود الصّين رغماً عن أميركا وضرورة الاستعداد للعواقب

المصدر: النهار العربي
رياض قهوجي  
رياض قهوجي  
تجربة صينية على صاروخ فرط صوتي
تجربة صينية على صاروخ فرط صوتي
A+ A-
تزداد مخاوف الولايات المتحدة من تعاظم قدرات الصين في مجالات عدة، أهمهما التكنولوجية. فالصين لم تعد دولة تعتمد على نسخ التكنولوجيا (بشكل شرعي أو غير شرعي) من دول متقدمة، وتحديداً روسيا وأوروبا وأميركا. بل باتت اليوم مطوّرة لهذه التكنولوجيا، ومن أهم المصدرين لها عالمياً. ولا يقتصر ذلك على التكنولوجيا العسكرية، بل المدنية. فهي اليوم سبقت الغرب في تكنولوجيا اتصالات الخلوي من جيل 5G الذي تقتحم به عبر شركة هواوي دولاً عدة في العالم، بعضها محسوب على المحور الأميركي. كما أن المنتجات الإلكترونية للشركات الصينية غزت واجهات كبريات المحال العالمية وباتت تنافس اليابانية. حتى شركات السيارات الصينية تزداد حصتها سنوياً في الأسواق العالمية وباتت تنافس الكورية.
 
أهم تأثيرات هذا الغزو التكنولوجي هي في تغيير الانطباع الذي كان سائداً في معظم الدول عن المنتجات الصينية. فالعديد من الناس لم يعد يعتبر الصناعات الصينية نسخاً سيئة عن تكنولوجيا لدول أخرى، بل باتت تنظر اليها على أنها دولة متقدمة تكنولوجياً ومنافس قوي في الأسواق العالمية. هذا الانطباع الإيجابي له تأثيرات في مستويات عدة، ومنها السياسي والاقتصادي والعسكري.
 
فالدول اليوم تسعى خلف التكنولوجيا على أشكالها لتطور اقتصادها وصناعاتها وقدراتها العسكرية، وحين تزداد ثقة قادتها في نوعية التكنولوجيا الصينية، فهم لن يتوانوا عن اللجوء اليها والتعاقد معها، بخاصة أن الصين تعتمد سياسة "اللا تدخل في شؤون الآخرين الداخلية"، ما يجعلها أكثر جاذبية من دول الغرب في التعامل معها بالنسبة الى المسؤولين في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية. 
 
ولقد نجحت الصين حيث فشلت روسيا التي كانت متقدمة عليها لزمن طويل. حد فشل التكنولوجيا الروسية في قطاعات مدنية عدة من قدرتها على دخول الأسواق العالمية، وعلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي، حيث ضاقت مساحة هيمنتها السياسية - العسكرية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. فبعد هذه العقود منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ليس هناك اليوم في الأسواق العالمية أي أجهزة إلكترونية أو خلوية من صنع روسي، وحتى في صناعة السيارات تراجعت روسيا كثيراً أمام الصين. وحجم الصناعات الصينية وتقدمها يتفوقان على روسيا بوضوح في قطاعات عدة.
 
يبدو أن استراتيجية الصين في توسيع نفوذها دولياً تعمل ببطء، ولكن بثبات ومبنية على النفس الطويل، إذ يترافق غزو منتجاتها الأسواق العالمية مع جهد لنشر ثقافتها. فهي بدأت برامج تدريس اللغة الصينية في دول عدة، بعضها في الشرق الأوسط.
 
وبدأت فتح مدارس وجامعات صينية في بعض هذه الدول وترسل الآلاف من طلابها للدراسة في دول عربية أيضاً. وتعمل وزارة التربية الصينية على توقيع اتفاقيات مع وزارات تربية في دول عدة لتشجع شباب هذه الدول على الدراسة في الصين. وبالرغم من أن الجزء الأكبر من السكان لا يزال يفضل الدراسة في الغرب، ويتحدث لغات غربية مثل الإنكليزية والفرنسية والإسبانية، إلا أنها مسألة وقت قبل أن يبدأ التداول باللغة الصينية تداولاً أوسع عالمياً.
 
أكثر ما يقلق واشنطن اليوم هو التقدم التكنولوجي العسكري للصين التي تصنع اليوم طائرات حربية من الجيل الخامس، وهي على وشك أن تطلق حاملة طائراتها الثالثة، وباتت تملك برنامج فضاء متقدماً، وتزيد من عدد صواريخها البالستية النووية العابرة للقارات، وتتفوق على أميركا في الأسلحة الفرط صوتية التي يتوقع العديد من الخبراء أنها ستؤثر كثيراً في موازين القوى.
 
الأسلحة الفرط صوتية هي التي تحلق بسرعة تزيد عن خمسة أضعاف سرعة الصوت. وأجرت الصين تجربة في الصيف الفائت فاجأت أميركا، بما تضمنته من تكنولوجيا. فلقد أطلقت الصين صاروخاً بالستياً انفصلت عنه عربة انزلاقية فرط صوتية قامت بدورة كاملة حول الأرض، وقبل وصولها الى هدفها في بحر الصين الجنوبي أطلقت ما يعتقد البعض أنه صاروخ جو-جو. وأظهرت هذه التجربة قدرة الصين على ضرب أي هدف حول العالم بسلاح فرط صوتي، وبأنها تعمل على تجهيز هذه الأسلحة بإجراءات مضادة لتدمير أي صواريخ أرض-جو قد تطلق نحوها. 
 
لا تستطيع منظومات الدفاع الصاروخي الأميركية التعامل مع أسلحة فرط صوتية فائقة السرعة وقادرة على المناورة. وإذا ما استمرت الصين على هذه الوتيرة من التجارب الناجحة فإنها قد تزود معظم صواريخها البالستية بأسلحة فرط صوتية برؤوس نووية.
 
ولقد أوعزت القيادة العسكرية الأميركية الى شركاتها الدفاعية البدء بتطوير منظومات دفاع جديدة لنفي تهديد الأسلحة الفرط صوتية، إلا أن هذا الأمر لن يكون سهلاً وسيتطلب وقتاً لتحقيقه. كما أن التجارب الأميركية لتطوير سلاح فرط صوتي واجهت إخفاقات عديدة، ولا أحد يعلم كيف ستسير الأمور في المستقبل القريب. 
 
امتلاك الصين أسلحة فرط صوتية سيمنحها القدرة على شن هجمات جوية خاطفة ومفاجئة، ويجعل صواريخها البالستية والجوالة تقصر المدة للوصول الى أهدافها دراماتيكياً، ما يقلص فترة الإنذار المبكر للخصم ويقلل من فعالية دفاعاته الجوية. وأحد الأهداف الرئيسية للأسلحة الفرط صوتية الصينية هو تدمير حاملات الطائرات الأميركية، الأمر الذي (إذا ما تحقق) سيحرم أميركا من قدرتها على فرض قوتها العسكرية عبر البحار. فالسيطرة الجوية على ساحة المواجهة هدف أساسي في العقيدة العسكرية الأميركية، وغالباً ما يتم تحقيقه عبر حاملات الطائرات. فقدان هذه الحاملات سيضرب الاستراتيجية العسكرية الأميركية في الصميم. 
 
ارتفاع منسوب الثقة لدى المسؤولين حول العالم بالتكنولوجيا الصينية يزيد من اهتمامهم بصناعاتها العسكرية. وامتناع أميركا عن بيع أسلحة ومنظومات عسكرية لدول حليفة لأسباب سياسية، يدفع بهذه الدول الى التعامل أكثر مع الصين. وأهم مثل على ذلك هو إقدام السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر على شراء طائرات مسيرة هجومية من الصين من طرازي وينغ لوونغ ورينبو بعد رفض واشنطن بيع هذا النوع من المسيرات. وهناك مفاوضات اليوم بين دول عدة، تعتبر ضمن المحور الغربي، مع الصين لشراء معدات وأسلحة، وحتى الدخول في اتفاقيات لإنتاج مشترك لها. 
 
تظهر التطورات أن الصين قوة عالمية تسير على خطى قوية وثابته الى الأمام، ولا نزاعات وانقسامات داخلية تؤثر فيخططها، في وقت تجهد الولايات المتحدة لوقف الصعود الصيني أو الحد من آثاره، فيما تعصف الخلافات والانقسامات بساحتها السياسية الداخلية.
 
وتزيد عودة النفوذ الروسي على الساحة الدولية من تعقيد الأمور على واشنطن، بخاصة مع تراجع قدرات حلفائها الأوروبيين العسكرية خلال العقدين الأخيرين وبطء جهودهم لإعادة بناء هذه القدرات، في ظل خلافات بين اليمين واليسار ومتاعب مالية. 
 
محور الصراع يتجه شرقاً، وعلى الدول العربية أن تتابع هذه المتغيرات وتكون جاهزة للاستفادة منها، وبأن لا تضع نفسها ضمن ساحة المواجهة بين هذه القوى. فأدوات لعب الكبار باتت أكثر فتكاً ودماراً، والأجدى ممارسة سياسة الحياد الإيجابي وتجنب جر هذه القوى الى ساحة الخلافات الإقليمية منعاً لتفاقمها.
 
سعي الصين الى السيطرة على جزيرة تايوان لن يتوقف وتحقيق هذا الهدف هو مسألة وقت، ولا يبدو أن أميركا تدرك كيف ستتعامل مع مواجهة كهذه عند حدوثها. ويرجح أن يكون موقف واشنطن حينها شبيهاً بموقفها الحالي من احتمال غزو روسيا لأوكرانيا، أي لا تدخل عسكرياً والاكتفاء بمزيد من العقوبات. عصر صعود الصين قد بدأ.     
     
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم