إعلان

كيف تتحكّم الجريمة بسياسة لبنان؟

المصدر: النهار العربي
باريس- فارس خشان
انفجار مرفأ بيروت. أ ف ب
انفجار مرفأ بيروت. أ ف ب
A+ A-
خِلافاً لما يظنّه البعض، تملك الأجهزة الأمنية اللبنانية قدرات هائلة على اكتشاف الجرائم المرتكبة في البلاد.
 
هذا ليس استنتاجاً ذاتياً، بل تؤكده الجهات الدولية المختصة التي سبق لها أن تعاملت عن كثب، منذ عام 2005 حتى الأمس القريب، مع هذه الأجهزة.
 
الأمثلة على ذلك كثيرة، ففي قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليست لجان التحقيق الدولية ولا النيابة العامة في المحكمة الخاصة بلبنان، هي التي حلّت لغز المجموعة التي نفّذت جريمة الرابع عشر من شباط (فبراير) 2005، بل فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي الذي وجد نفسه، في وقت لاحق، يتوقف "طوْعاً" عن التعمّق في تجميع الأدلة، بعدما تعرّض لهجمة إرهابية استهدفت مسؤوليه بدءاً بسمير شحادة (نجا) مروراً بوسام عيد وصولاً الى وسام الحسن.
 
ولم يخفِ أمنيون، في أكثر من جهاز، أنّهم استقوا العِبر من تجربة فرع المعلومات، ولذلك وجدوا أنفسهم يمتنعون عن إجراء أي تحقيق نوعي في أيّ ملف يمكن أن يغضب أي جهة تملك القدرة على الرد باغتيال المحققين.
 
و"حكمة" الأمنيين في لبنان أنّ كشف جريمة كبرى، بدل أن يستقطب الأوسمة يفتح باب القبر. 
وفي تقييم المرجعيات الأمنية الدولية للأجهزة الأمنية اللبنانية أنّها قادرة، حيث لا عوائق سياسية، على اكتشاف أكثر الجرائم تعقيداً.
 
ويكفي التدقيق في نوعية الجرائم التي اكتُشف مرتكبوها في لبنان، لمعرفة هذه الحقيقة، إذ إنّ الجرائم التي يُعتقد أنّها منسوبة الى المنظومة المتحكّمة بلبنان، هي التي تبقى مدرجة "قيد المجهول".
 
وقائمة الجرائم التي تبقى مجهولة الفاعل والتي تدور حولها روايات كثيرة، سواء في الأروقة الأمنية أو القضائية أو السياسية، أصبحت طويلة للغاية، وهي لا تضم فقط السياسيين والصحافيين والأمنيين والعسكريين، بل تشمل أيضاً مواطنين، بدءاً بالاختفاء المستمر لجوزف صادر الذي خُطف على طريق مطار رفيق الحريري، وصولاً الى اغتيال المصوّر جو بجّاني في الكحّالة، بأسلوب يُذكّر بذاك الذي استهدف الوزير بيار الجميّل.
 
إن أعظم خطر يواجه وحدة الدولة واستقرارها وسلامتها يبدأ، عندما تتكوّن قناعة محلية وإقليمية ودولية، بأنّ كلّ جريمة لا يُكشف مرتكبُها هي جريمة ارتكبها المتحكّمون بالدولة نفسها.
 
ومنذ الرابع من آب (أغسطس) الماضي، جرى ربط ثلاث جرائم قتل بجريمة انفجار مرفأ بيروت الذي ينسبه اعتقاد شريحة واسعة من اللبنانيين إلى "حزب الله"، بالاستناد الى معطيات كثيرة.
وتُرسّخ هذا الاعتقاد تحقيقات قضائية لم تقدّم جواباً واحداً مقنعاً عن أيّ سؤال، بحجة "السريّة" التي يتم خرقها، كل يوم، في سائر الملفات التي في عهدة القضاء اللبناني.
 
ولـ"حزب الله"، سواء كان متورّطاً بانفجار المرفأ والجرائم الملحقة به أو لم يكن، سجل أسود في الوجدان اللبناني، إذ إنّ هناك شبه إجماع وطني يشمل "حلفاءه" و"مريديه" على أنّه ليس قادراً على تصفية من يشاء وساعة يشاء، وعلى إحباط التحقيقات، بالترهيب أو الترغيب، فحسب، بل على حماية من يتم، بلحظة عجز، اكتشاف تورّطه، أيضاً.
 
ويعتبر سليم جميل عيّاش الذي أنزلت به المحكمة الخاصة بلبنان عقوبة السجن المؤبد غيابياً بخمس تهم متصلة باغتيال الحريري، أبرز الأمثلة وأحدثها.
 
ولم يكتفِ "حزب الله" بتوفير الحماية لعيّاش، بل ذهب أبعد من ذلك، إذ طلب من أجهزة الدعاية فيه إدراجه على قائمة الأبطال.
 
وكان لافتاً للاهتمام أنّ السلطة وغالبية الطبقة السياسية تعاطت مع تجريم عيّاش في جريمة سبق ووُصفت بأنّها "جريمة العصر" ببرودة توحي، وكأنّ هذا التجريم حدث يعني إيران وليس لبنان.
 
ولا يبقى هذا التعاطي الأمني - القضائي - السياسي مع نوعية محدّدة من الجرائم محصوراً بالنتائج اللاعقابية، بل يسحب نفسه على مسار الحياة السياسية، إذ إنّ كثيراً من القرارات التي تسبّبت بتسريع انهيار الدولة، في السنوات الأخيرة، تنسبها غالبية اللبنانيين الى الخوف من "حزب الله"، من جهة، وإلى محاولات استرضائه، من جهة أخرى.
 
وهذه النظرية "الترهيبية" سبق أن عكسها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على الرغم من أنّه حاول ـ ولا يزال ـ استمالة "حزب الله"، في مؤتمره الصحافي الشهير الذي تلى اعتذار السفير مصطفى أديب عن عدم تشكيل الحكومة، وفق مقتضيات "المبادرة الفرنسية".
 
إن استقامة الحياة السياسية اللبنانية باتت مستحيلة من دون استقامة التحقيقات في الجرائم المرتكبة، على اعتبار أنّ إنقاذ لبنان من تداعيات غياب الثقة بالدولة يبدأ ببنيان الثقة بأن لا جريمة محمية فيها، فبلد يحكمه الخوف من القتل هو بلد آيل الى الجحيم.
 
ليسأل المستفيد من ذلك اليوم أنظمة كثيرة اعتمدت هذا الأسلوب، بالأمس كيف دفعت ثمنها غالياً لاحقاً.










 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم