إعلان

لبنان: ماتت المبادرة الفرنسيّة

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
ماكرون بين التاس في بيروت
ماكرون بين التاس في بيروت
A+ A-
لا يشك أحد من المراقبين في العاصمة اللبنانية بيروت في أن المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تجاه لبنان في أعقاب الانفجار الكارثي الذي دمّر نصف العاصمة بيروت في الرابع من شهر آب ( أغسطس) الماضي، قد ماتت بالكامل مع انهيار الشق الاقتصادي الإصلاحي فيها، بفشل عملية إجراء التحقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان المخصصة لتبيان حقيقة ما جرى لجهة سرقة أموال المودعين اللبنانيين والأجانب في مصارف لبنان، وإفلاس الدولة ومعها المصرف المركزي.
 
وكان قد سبق موت الشق المذكور من المبادرة، موت الشق السياسي منها، مع  فشل تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين برئاسة السفير في برلين مصطفى أديب، فسقطت المحاولة لجملة عوامل تراكمت فأدت الى تلقي المبادرة الفرنسية ضربة كبيرة، أدت في مكان ما الى كسر اندفاعة الرئيس ماكرون في لبنان وتشتيت عوامل القوة المعنوية والسياسية التي كان يتمتع بها عندما حطّت رجلاه في بيروت في أعقاب انفجار المرفأ، حيث استقبله معظم اللبنانيين كمخلص، ونقيض في أعينهم لصورة الطاقم اللبناني الحاكم المقيتة.
 
حاول الرئيس إيمانويل ماكرون الاستفادة من تلك الاندفاعة لحض القيادات اللبنانية التي أدى الانفجار الكارثي الى هز الأرض من تحتها استكمالاً لاهتزازها الذي كان قد بدأ مع "ثورة 17 تشرين" 2019 التي كرّست طلاقاً عميقاً بين الرأي العام اللبناني عامة ومجمل الطاقم الحاكم الذي يتحمل مسؤلية إيصال لبنان الى هذه الحالة المأسوية التي يقبع فيها اليوم.
   
وفشلت المبادرة الفرنسية مرة جديدة بعد تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة وفق معايير المبادرة التي نصّت، بحسب مواقف الرئيس الفرنسي نفسه، على أن تكون مؤلفة من وزراء أصحاب كفاءة ومشهود لهم بالنزاهة والاستقلالية عن الأحزاب، لكي ينجزوا مهمة وقف انهيار لبنان وإعادة إعمار بيروت التي تضررت جراء انفجار المرفأ. وكان من المتوقع أن تتم عملية تأليف الحكومة برئاسة الحريري بسرعة قياسية، إذ قيل في الأيام الأولى بعد التكليف إن التأليف لن يستغرق أكثر من أسبوع ما دام كل الأطراف متمسكين بالمبادرة الفرنسية واتخذوا قراراً بإنقاذ لبنان من الأزمة الحانقة التي يعاني منها. مع ذلك، طالت عملية التأليف واصطدم الحريري بتعقيدات اللعبة السياسية مع رئيس الجمهورية ميشال عون، وأدت لعبة التوازنات الى تبديد الوقت، وبالتالي الى تشتيت اندفاعة المبادرة أكثر، حتى وصلت الأمور اليوم الى مرحلة تقارب اليأس من إمكان تأليف حكومة لبنانية جديدة قبل نهاية عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
 
ولعل فقدان المبادرة الفرنسية كلا الدعمين الأميركي والعربي الخليجي، أدى في مكان ما الى تعطيلها موضوعياً، فضلاً عن أن "الشريك" الإيراني المفترض في لبنان عبر "حزب الله"، لم يلاق الرئيس الفرنسي ومبادرته في منتصف الطريق، لا بل إنه لم يقدّم تنازلات كانت مطلوبة منه لكي يتمكن الفرنسي من وضع لبنان على سكة إنقاذية جدية. فرداً على سلسلة عقوبات أنزلتها الإدارة الأميركية بحلفاء الحزب في لبنان، وفي المقدمة صهر رئيس الجمهورية الوزير السابق جبران باسيل، ذهب "حزب الله" في اتجاه معاكس للنصيحة الفرنسية التي تلقاها، وخلاصتها عدم الالتفات الى العقوبات والامتناع عن الدخول في اللعبة الأميركية التي هدفت الى تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة، بل المبادرة الى فتح الطريق أمام ولادة الحكومة الجديدة رداً على التعطيل الأميركي الواضح للمبادرة الفرنسية التي اعتبرتها واشنطن ودول الخليج ممالئة لـ"حزب الله" في مواجهة الموقفين الأميركي والعربي المتشددين إزاء ذراع إيران اللبنانية.
 
ماتت المبادرة الفرنسية سياسياً وإصلاحياً، ولم يبق منها سوى مواقف لبنانية تعلن التمسك بها من دون حماسة تُذكر، فالأنظار في لبنان مركّزة على الموقف الأميركي قبل تسلّم الرئيس المنتخب جو بايدن مهامه في العشرين من كانون الثاني (يناير) المقبل وبعده، وهنا لا يختلف أطراف اللعبة السياسية، أكان "حزب الله" ومن يتبعونه، أم خصومه. لكن أياً يكن من أمر، فإن مسؤولية قتل المبادرة الفرنسية تجاه لبنان التي كان يمكن أن تشكل خشبة خلاص، تقع على عاتق ثلاث جهات: الأميركيون وحلفاؤهم الذين يرفضون سياسة فرنسا الممالئة، في نظرهم، لإيران ومن خلالها لـ"حزب الله" في لبنان، والطاقم الحاكم اللبناني الذي لا يريد إصلاحاً جدياً ويعمل بلا هوادة لمنع التغيير الضروري لإنقاذ لبنان من الحالة المافيوية التي يرزح تحتها، والفرنسيون الذين أطلقوا مبادرة ثم قبلوا بتجويفها أكثر يوماً بعد يوم.  
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم